موفق الدين بن عثمان

415

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

وعن أبي الحسن علىّ بن أحمد بن محمد البغدادي قال : سمعت شعيب ابن الليث يقول : قدمت المدينة مع أبي لزيارة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بعد انقضاء الحج ، فأهدى مالك بن أنس لأبى طبقا من تمر ، فأهدى إليه أبى ألف دينار ، وكانت حجته سنة 133 ه ، وسمع في تلك السنة من نافع مولى ابن عمر « 1 » ، وقال : كان عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي يطلب بنى أمية - لمّا آل إليه الأمر - للقتل ، قال : فدخلت مصر في حالة رثّة من جهة الملبس والحال ، ومعي هميان « 2 » فيه مال على وسطى ، فدخلت إلى مجلس الليث وهو يحدّث ، فسمعت كلامه إلى أن قام من مجلسه ، فلما قام خرجت أنا ، فلمحنى الليث وتبعني خادم وقال : اجلس حتى أخرج إليك ، فجلست ، فلما خرج ناولني صرّة فيها مائة دينار وقال : يقول لك مولاي : أصلح بهذه حالك ولمّ شعثك . قال : فأخرجت الهميان من حزّتى « 3 » وقلت : أنا في غنى عنها ، ولكن أريد أن تستأذن لي على الشيخ . قال : فاستأذن ، فأذن لي ، فدخلت عليه ، فأخبرته أنّى لست محتاجا إلى مال ، واعتذرت إليه في ردّها ، وأخبرته بما معي من المال ، فقال : هذه صلة وليست بصدقة . فقلت « 4 » : أكره أن أعوّد نفسي عادة وأنا في غنى عنها . فقال : ادفعها إلى بعض أصحاب الحديث ممّن تراه مستحقّا لها ، فلم يزل بي حتى أخذتها وفرّقتها على جماعة . فانظر إلى كرمه - رحمه اللّه - في حال الضّيق والسّعة .

--> ( 1 ) هو : نافع المدني ، أبو عبد اللّه ، من أئمة التابعين بالمدينة ، كان علّامة في فقه الدين ، كثير الرواية للحديث ، ثقة ، لا يعرف له خطأ في جميع ما رواه . وهو ديلمىّ الأصل ، مجهول النّسب ، أصابه عبد اللّه بن عمر صغيرا في بعض مغازيه ، ونشأ في المدينة . وأرسله عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلم أهلها السّنن . وكانت وفاته سنة 117 ه . [ انظر ترجمته في الأعلام ج 8 ص 5 و 6 ، وطبقات الحفاظ ص 47 ترجمة رقم 90 ، ووفيات الأعيان ج 5 ص 367 و 368 ، وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 99 و 100 ، والمعارف لابن قتيبة ص 460 و 461 ] . ( 2 ) الهميان : كيس للنفقة يشدّ في الوسط . ( 3 ) الحزّة : حجز السروال ( الجيب ) . ( 4 ) في « م » : « فقال » وما أثبتناه هو المناسب للسياق .