مجد الدين ابن الأثير
362
المرصع في الآباء والأمّهات والأبناء والبنات والأذواء والذّوات
الصورة ، إلا أنها غابت عن تصوّر العربي الجاهلي . وفيما سكتت المصادر عن مثل هذا الاعتقاد ، إلا أنها أمدّتنا بمعلومات عن عقائد أخرى تتعلق بالزمان ومصاعب الحياة ، ومن ذلك ظهور مفاهيم حول الدهر ، والقدر ، والقضاء ، والموت ، والحياة ووجود قوى خفية من الجن الشياطين . ولدى قراءتنا لمفهوم الدهر عند الجاهليين يتضح لنا منه أمران : أولهما أنه قوة كبرى مؤكدة لا مرد لحكمها ، وثانيهما أن الدهر يحمل في طياته مخاوف من نوازل تنزل بالناس . فهو كالقدر الأعمى ، ولذا يقال : « بنات الدهر » وهي الدواهي . والدواهي هي أكثر ما يخيف الإنسان الجاهلي ، ولذا فإنا نجد قائمة طويلة في « المرصّع » لكني الداهية . ومن الدواهي يأتي الخوف من الموت ، فهو « الحمام » و « المنية » وهو القدر الذي لا يمكن الهرب منه ، ولعل هذا له علاقة بالإله « مناة » أحد أصنام الجاهليين « 1 » . وقد توقف الجاهلي عند سر الموت المحتوم ، وفي غياب أي فكرة عن الحياة الآخرة ، سوف يؤدي به الأمر إلى التشاؤم : رأيت المنايا خبط عشواء من تصب * تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم « 2 » ويقول طرفة « 3 » : ألا أيهذا اللائمي أن أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي ؟ فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي * فدعني أبادرها بما ملكت يدي ويحظى الموت بعدد كبير من الكنى فهو : أبو يحيى ، وأم البليل ، وأم الجنين ، وأم الرقوب ، وأم قسطل ، وأم قشعم ، وأم اللهيم ، وأم الهم .
--> ( 1 ) جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 6 / 157 . ( 2 ) البيت من معلقة زهير بن أبي سلمى : 92 . في شرح الزوزني للمعلقات السبع . ( 3 ) البيتان من معلقته : 64 في المصدر أعلاه .