مجد الدين ابن الأثير

341

المرصع في الآباء والأمّهات والأبناء والبنات والأذواء والذّوات

أما المبارك ، فيبدو أنه وقف خدماته على حكام الموصل والجزيرة ، فقد عمل في خدمة الأمير مجاهد الدين قايماز إلى أن مات ، فاتصل بعدها بصاحب الموصل عزّ الدين مسعود « 1 » ، وولي له ديوان الإنشاء ، وولي بعد ذلك كتابة الإنشاء لصاحب الموصل نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود « 2 » . وفي علاقته بهؤلاء ، تشير المصادر إلى أنه كان بين كبار من يعوّل على رأيهم في مسائل الإدارة والسياسة . وبالرغم من أن أبا السعادات كان في مكانة عالية ، قريبا من أصحاب القرار السياسي ، لكنّا نراه يعزف عن كتابة التاريخ السياسي بصورة مباشرة ، لما تحمله هذه الكتابة من المخاطر ، شأنه شأن الكثير من المثقفين ، الذين حملت إليهم كتابة التاريخ المصاعب والمتاعب مع السلطات القائمة ، فاندفعوا إلى وضع مصنفات في شتى المعارف ، تحمل الكثير من المعلومات ، في إطار ثقافي عام ، يغلب عليه طابع الدراسات الإسلامية واللغوية ، يضم إلى ذلك المظان التاريخية ، عبر دراسة السير والتراجم ، والأخبار عن مشاهير الأعلام في التاريخ . وكان غرض واحدهم من ذلك ، التعبير عن رأيه عن طريق تسجيل المأثور من أقوال الرجال ومواقفهم أو نسبتها إليهم . ولا أظن أبا السعادات إلّا قد فعل ذلك حين صرف طبيبه المغربي الذي وقف نفسه على خدمته في مرضه بعد أن أشرف على البرء بقوله لأخيه عزّ الدين الذي لامه على صرف الطبيب : « أنا كنت في راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء القوم والتزام أخطارهم ؛ وقد سكنت روحي إلى الانقطاع والدعة ، فإذا طرأت لهم أمور ضرورية جاءوني بأنفسهم ليأخذوا رأيي » « 3 » .

--> ( 1 ) كان قايماز قد قام بأعباء الإمارة في الموصل نظرا لصغر سن مسعود ، ولكن هذا استعاد سلطته بعد وفاة قايماز . ( 2 ) تاريخ الإسلام . ( 3 ) السيوطي ، بغية الوعاة 2 / 274 .