مجد الدين ابن الأثير
98
المختار من مناقب الأخيار
حنيفة ، وكان أبو حنيفة يجهز عليه ، فبعث إليه في رفقة بمتاع ، وأعلمه أنّ في ثوب كذا وكذا عيبا ، فإذا بعته فبيّن . فباع حفص المتاع ، ولم يبيّن ، ولم يعلم ممّن باعه . فلمّا علم أبو حنيفة ، تصدّق بثمن المتاع كلّه « 1 » . وقال وكيع : كان أبو حنيفة قد جعل على نفسه أن لا يحلف باللّه في عرض كلامه إلّا تصدّق بدرهم . فحلف ، فتصدّق به . ثم جعل على نفسه إن حلف أن يتصدّق بدينار . فكان إذا حلف صادقا في عرض الكلام تصدّق بدينار ، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدّق بمثلها . وكان إذا اكتسى ثوبا جديدا كسى بقدر ثمنه الشيوخ العلماء ، وكان إذا وضع بين يديه الطّعام أخذ منه بقدر ضعف ما كان يأكل ، فيضعه على الخبز ، ثم يعطيه لإنسان فقير ، فإذا كان في الدّار من عياله إنسان يحتاج إليه ، دفعه إليه ، وإلّا أعطاه مسكينا « 1 » . وقال أبو عبد الرحمن المسعودي : ما رأيت أحسن أمانة من أبي حنيفة ، مات يوم مات وعنده ودائع بخمسين ألفا ، ما ضاع منها ولا درهم واحد « 2 » . وقال يوسف السّمتيّ : إنّ المنصور أجاز أبا حنيفة بثلاثين ألف درهم في دفعات . فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّي ببغداد غريب ، وليس عندي موضع ، فاجعلها في بيت المال . فأجابه المنصور إلى ذلك ، فلمّا مات أبو حنيفة أخرجت ودائع الناس من بيته ، فقال المنصور : خدعنا أبو حنيفة « 2 » . وقال خارجة بن مصعب : أجاز المنصور أبا حنيفة بعشرة آلاف درهم ، فدعي ليقبضها ، فشاورني وقال : هذا رجل إن رددتها عليه غضب ، وإن قبلتها دخل عليّ في ديني ما أكرهه . فقلت : إنّ هذه المال عظيم في عينه ، فإذا دعيت لتقبضها ، فقل : لم يكن هذا أملي من أمير المؤمنين . فدعي ليقبضها فقال له ذلك ، فرفع إليه خبره ، فحبس الجائزة . قال : فكان أبو حنيفة لا يكاد يشاور في أمره غيري « 3 » .
--> ( 1 ) تاريخ بغداد 13 / 358 . ( 2 ) تاريخ بغداد 13 / 359 . ( 3 ) تاريخ بغداد 13 / 359 ، 360 .