مجد الدين ابن الأثير
73
المختار من مناقب الأخيار
وروي أنّ رجلا من ولد عمر بن الخطّاب كان بالمدينة يؤذيه ، ويشتم عليّا . وكان قد قال له بعض حاشيته : دعنا نقتله . فنهاهم عن ذلك أشدّ النّهي ، وزجرهم أشدّ الزّجر ، وسأل عن العمري ، فذكر له أنه يزدرع بناحية من نواحي المدينة . فركب إليه إلى مزرعته « 1 » فوجده فيها . فدخل المزرعة « 2 » بحماره ، فصاح به العمريّ : لا تطأ زرعنا . فتوطّأه بالحمار حتى وصل إليه ، فنزل ، فجلس عنده وضاحكه ، وقال له : وكم غرمت في زرعك هذا ؟ قال : مائة دينار . قال : فكم ترجو أن تصيب ؟ قال : أنا لا أعلم الغيب . قال : إنّما قلت لك : كم ترجو أن يجيئك فيه ؟ قال : أرجو أن يجيئني مائتا دينار . فأعطاه ثلاث مائة دينار ، وقال : هذا زرعك على حاله . فقام العمريّ ، فقبّل رأسه ، وانصرف ، وراح إلى المسجد ، فوجد العمريّ جالسا فلمّا نظر إليه قال : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الإنعام : 124 ] . فوثب أصحابه ، فقالوا له : ما قصّتك ، قد كنت تقول خلاف هذا ؟ فخاصمهم وشاتمهم ، وجعل يدعو لموسى كلّما دخل وخرج . فقال موسى لخاصّته الذين أرادوا قتل العمريّ : أيّما كان خيرا ؟ ما أردتم ، أو ما أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار « 3 » ؟ وقال محمد بن عبد اللّه البكريّ : قدمت المدينة أطلب بها دينا ، فأعياني ، فقلت : لو ذهبت إلى أبي الحسن موسى بن جعفر فشكوت ذلك إليه ، فأتيته في ضيعته ، فخرج إليّ ومعه غلام له ، [ معه ] منسف فيه قديد مجزّع ليس معه غيره ، فأكل وأكلت معه ، ثم سألني عن حاجتي ، فذكرت له قصّتي ، فدخل فلم يقم إلّا يسيرا حتى خرج إليّ ، فقال لغلامه : اذهب . ثم مدّ يده ، فدفع إليّ صرّة فيها ثلاث مائة دينار ، ثم قام فولّى ، فقمت
--> ( 1 ) في ( ب ) : مزدرعه . ( 2 ) في ( ب ) : المزدرع . ( 3 ) تاريخ بغداد 13 / 28 ، تهذيب الكمال 29 / 45 ، 46 .