مجد الدين ابن الأثير

479

المختار من مناقب الأخيار

ما قدّر لي حتى غلبتني عيني ، فنمت في مصلّاي ، ونامت في مصلّاها ، فلما كان في اليوم الثاني كان مثل ذلك أيضا ، فلمّا طال عليّ ، قلت : يا هذه ، ألاجتماعنا « 1 » معنى ؟ قال : فقالت لي : أنا في خدمة مولاي ، ومن له حقّ فما أمنعه . قال : فاستحييت من كلامها ، وتماديت على أمري نحو الشهر ، ثم بدا لي في السّفر ، فقلت : يا هذه ، قالت : لبّيك . قلت : إنّي قد أردت السفر . قالت : مصاحبا بالعافية . فقمت ، فلمّا صرت عند الباب قامت ، فقالت لي : يا سيّدي ، كان بيننا في الدّنيا عهد لم يقض بتمامه ، عسى في الجنّة إن شاء اللّه . فقلت لها : عسى . فقالت لي : أستودعك اللّه خير مستودع . قال : فتودّعت منها ، وخرجت . قال : ثم عدت إلى مصر بعد سنين ، فسألت عنها ، فقيل لي : هي على أفضل ممّا تركتها عليه من العبادة والاجتهاد « 2 » . رحمة اللّه عليها ورضوانه . * * * وقال ذو النّون المصري رضي اللّه عن : دخلت إلى سواد نيل مصر فجنّني الليل ، فقمت بين زروعها ، فإذا أنا بامرأة سوداء قد أقبلت إلى سنبلة ففركتها ، ثم تركتها ، وبكت ، وقالت : يا من حبّه بدرا يابسا في أرضه ، ولم يك شيئا ، أنت الذي صيّرته حشيشا ، ثم جعلته عودا قائما ، وجعلت فيه حبّا متراكبا ، وكوّنته بتكوينك ، وأنت على كلّ شيء قدير ، ثم قالت : عجبت لمن هذه قدرته كيف يعصى ؟ وعجبت لمن هذه مشيئته كيف لا يطاع ؟ وعجبت لمن هذه صنعته كيف يشكى ؟ فدنوت منها ، فقلت : من يشكو ؟ فقالت لي : أنت يا ذا النون ، إذا اعتللت فلا تشتك « 3 » علّتك إلى

--> ( 1 ) في روض الرياحين : هل لاجتماعنا . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 332 ، 333 ، روض الرياحين 382 ( الحكاية 338 ) . ( 3 ) في الأصل : « فلا تشتكي » .