مجد الدين ابن الأثير
473
المختار من مناقب الأخيار
بين يديها متحيّرا لا أدري ما أقول . فقالت : يأبى اللّه أن يدنّس طرائف حكمته ، وخفيّ معرفته ، ومكنون محبّته بممارسة قلوب البطّالين . قلت : رحمك اللّه ، لو دعوت اللّه عزّ وجلّ أن يشغلني بشيء من محبّته . فنفضت يدها في وجهي ، فأعدت القول أقتضي الدّعاء ، فقالت : يا عبد اللّه ، امض لحاجتك ، فقد علم المحبوب ما ناجاه الضمير من أجلك . ثم ولّت وقالت : لولا خوف السّلب لبحت بالعجب . ثم قالت : أوّه من شوق لا يبرأ إلّا بك ، ومن حنين لا يسكن إلّا إليك . فأين لوجهي الحياء منك ؟ وأين لعقلي الرّجوع إليك ؟ قال عثمان : فو اللّه ما ذكرت ذلك إلّا بكيت وغشي عليّ « 1 » . رحمة اللّه عليهما . * * * الكوفة قال سعدان : أمر قوم امرأة ذات جمال بارع أن تتعرّض للرّبيع بن خثيم ؛ فلعلّها تفتنه . وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم . فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثّياب ، وتطيّبت بأطيب ما قدرت عليه من الطّيب ، ثم تعرّضت له حين خرج من مسجده . فنظر إليها فراعه أمرها ، فأقبلت عليه ، وهي سافرة . فقال لها الرّبيع : كيف بك لو قد نزلت الحمّى بجسمك ، فغيّرت ما أرى من لونك وبهجتك ؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت ، فقطع منك حبل الوتين ؟ أم كيف بك لو قد سألك منكر ونكير ؟ فصرخت صرخة ، فسقطت مغشيّا عليها . فو اللّه لقد أفاقت وبلغت من عبادة ربّها أنّها كانت يوم ماتت كأنّها جذع محترق « 2 » .
--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 253 ، 254 . ( 2 ) صفة الصفوة 3 / 191 ، روض الرياحين 395 ( الحكاية 353 ) .