مجد الدين ابن الأثير
463
المختار من مناقب الأخيار
تقول : يا من لا تراه العيون ، ولا تخالطه الأوهام والظنون ، ولا تغيّره الحوادث ، ولا يصفه الواصفون ، يا عالما بمثاقيل الجبال ، وبمكاييل البحار وعدد قطر الأمطار ، وورق الأشجار ، وعدد ما أظلم عليه الليل ، وأشرق عليه النهار ، لا يواري منه سماء سماء ، ولا أرض أرضا ، ولا جبل إلّا يعلم ما في وعره ، ولا بحر إلّا يعلم ما في قعره « 1 » ، أسألك أن تجعل خير عمري آخره ، وخير عملي خواتمه ، وخير أيّامي يوم ألقاك ، وخير ساعاتي ساعة مفارقة الأحياء في دار الفناء إلى دار البقاء ، التي تكرم فيها من أحببت من أوليائك ، وتهين فيها من أبغضت من أعدائك . أسألك إلهي عافية جامعة لخير الدّنيا والآخرة منّا منك عليّ ، وتطوّلا يا ذا الجلال والإكرام . ثم صرخت وغشي عليها « 2 » . رحمة اللّه عليها ورضوانه آمين . * * * وقال ذو النّون : خرجت حاجّا إلى بيت اللّه الحرام ، فبينا أنا في الطّواف إذا بشخص « 3 » متعلّق بأستار الكعبة يبكي ، ويقول في بكائه : كتمت بلائي عن غيرك ، وبحت بسرّي إليك ، واشتغلت بك عمّن سواك ، عجبت لمن عرفك كيف يسلو عنك ؟ ولمن ذاق حبّك كيف يصبر عنك ؟ ثم أقبل على نفسه فقال : أمهلك فما ارعويت ، وستر عليك فما استحييت . وسلبك حلاوة المناجاة فما باليت . ثم قال : عزيزي ، مالي إذا قمت بين يديك ألقيت عليّ النّعاس ، ومنعتني حلاوة الخدمة ، لم يا قرّة عيني لمه ؟ ثم أنشأ يقول :
--> ( 1 ) في ( أ ) : « ولا جبل ما في وعره ، ولا بحر ما في قعره » . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 416 . ( 3 ) في ( ب ) : برجل .