مجد الدين ابن الأثير
449
المختار من مناقب الأخيار
فدنوت فسلّمت فلم تردّ عليّ السلام ، ثمّ ولّيت فسمعتها تقول : زهد الزاهدون والعابدونا * إذ لمولاهم أجاعوا البطونا أسهروا الأعين القريحة فيه * فمضى ليلهم وهم ساهرونا حيّرتهم محبّة اللّه حتى * علم الناس أنّ فيهم جنونا هم ألبّاء ذو عقول ولكن * قد شجاهم جميع ما يعرفونا قال فدنوت منها ، وقلت : لمن الزّرع ؟ فقالت : لنا ، إن سلم . فتركتها وأتيت بعض الأخبية ، فأرخت السماء كأفواه القرب . فقلت : واللّه لآتينّها ، فأنظر قصّتها في هذا المطر ، فإذا أنا بالزّرع قد غرق ، وإذا بها قائمة ، وهي تقول : والذي أسكن قلبي من طرف صفاء مودّة محبّته ، إنّ قلبي ليوقن منك بالرّضا . ثم التفتت إليّ فقالت : يا هذا ، إنّه زرعه فأنبته ، وأقامه فسنبله ، وركّبه فشقّقه ، وأرسل عليه غيثا متغطمطا « 1 » فسقاه ، واطّلع عليه فحفظه ، فلما دنا حصاده أهلكه . ثم رفعت رأسها نحو السماء ، فقالت : إلهي ، العباد عبادك ، وأرزاقهم عليك ، فاصنع ما شئت . فقلت لها : كيف صبرك ؟ فقالت : اسكت يا عتبة : إنّ إلهي لغنيّ حميد * في كلّ يوم منه رزق جديد الحمد للّه الذي لم يزل * يفعل بي أكثر ممّا أريد قال عتبة : فو اللّه ما ذكرت كلامها إلّا هيّجني « 2 » . رحمة اللّه عليها . * * *
--> ( 1 ) الغطمطة : اضطراب موج البحر ، وصوت السيل في الوادي . القاموس ( غطمط ) . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 51 ، 52 ، روض الرياحين 103 ( الحكاية 29 ) .