مجد الدين ابن الأثير

433

المختار من مناقب الأخيار

الأعمال ، وقد منعتنا غيث السماء لتؤدّب الخليقة بذلك ؛ فأسألك يا حليما ذا أناة ، يا من لا يعرف عباده منه إلّا الجميل ، اسقهم الساعة . فلم يزل يقول : الساعة الساعة حتى اسودّت السماء بالغمام « 1 » ، وأقبل المطر من كلّ مكان ، وجلس مكانه يسبّح ، وأخذت أبكي ، إذ قام فاتّبعته حتى عرفت موضعه . فجئت إلى فضيل بن عياض ، فقال لي : مالي أراك كئيبا ؟ فقلت : سبقنا إليه غيرنا ، فتولّاه دوننا . قال : وما ذا ؟ فقصصت عليه القصّة . فصاح وسقط ، وقال : ويحك يا ابن المبارك ، خذني إليه ؛ قلت : قد ضاق « 2 » الوقت ، وسأبحث عن شأنه . فلمّا كان من الغد صلّيت الغداة ، وخرجت أريد الموضع ، فإذا شيخ على الباب قد بسط له ، وهو جالس ، فلمّا رآني عرفني ، وقال : مرحبا بك يا أبا عبد الرحمن ، حاجتك ؟ فقلت له : احتجت إلى غلام أسود . فقال : نعم ، عندي عدّة ، فاختر أيّهم شئت . فصاح : يا غلام . فخرج غلام جلد ، فقال : هذا محمود العاقبة أرضاه لك . فقلت : ليس هذا حاجتي . فما زال يخرج واحدا واحدا حتى أخرج إليّ الغلام ، فلمّا بصرت به بدرت عيناي فقال : هذا هو ؟ قلت : نعم . فقال : ليس إلى بيعه سبيل . قلت : ولم ؟ قال : قد تبرّكت بموضعه في هذه الدّار ، وذاك أنّه لا يرزؤني شيئا « 3 » . قلت : ومن أين طعامه ؟ قال : يكسب « 4 » من فتل الشّريط نصف دانق أو أقلّ أو أكثر ، فهو قوته ، فإن باعه في يومه وإلّا طوى ذلك اليوم ، وأخبرني الغلمان عنه أنّه لا ينام هذا الليل الطّويل ، ولا يختلط بأحد منهم ، مهتمّ بنفسه ، وقد أحبّه قلبي . فقلت : أنصرف إلى سفيان الثوريّ وإلى فضيل بن عياض بغير قضاء حاجة ؟ فقال : إنّ ممشاك عندي كثير ، خذه بما شئت . فاشتريته ، فأخذت نحو دار فضيل بن عياض ، فمشيت ساعة ، فقال لي : يا مولاي ، قلت :

--> ( 1 ) في ( أ ) : « حتى استوت بالغمام » . ( 2 ) في ( ب ) : « خذني إليه فقد ضاق » . ( 3 ) لا يرزؤني : لا يصيب من طعامي شيئا . ( 4 ) في ( ب ) : « يكتسب » .