مجد الدين ابن الأثير
430
المختار من مناقب الأخيار
وقال أبو بكر المصريّ : خرجت من عينونة « 1 » أريد الرّملة ، فبينا أنا أمشي إذا بفقير يمشي حافي القدمين ، حاسر الرّأس ، وعليه خرقتان ، متّزر بإحداهما ، مرتدّ بالأخرى ، ليس معه زاد ولا ركوة . فقلت في نفسي : لو كان مع هذا ركوة وحبل ، فإذا ورد الماء توضّأ وصلّى كان خيرا له . فلحقت به وقد اشتدّت الهاجرة ، فقلت : يا فتى ، لو جعلت هذه الخرقة التي على كتفك على رأسك تتوقّى بها الشمس كان خيرا لك . فسكت ومشى . فلمّا كان بعد ساعة ، قلت له : أنت حاف ، أيّ شيء ترى في نعل تلبسها ساعة وأنا ساعة ؟ فقال : أراك كثير الفضول ، ألم تكتب الحديث ؟ قلت : بلى . قال : فلم تكتب عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم « إنّ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » « 2 » ؟ فسكتّ ومشى ، وعطشت وأنا على ساحل البحر ، فالتفت إليّ ، فقال : أنت عطشان ؟ فقلت : لا . فمشى ساعة ، وقد « 3 » كظّني العطش « 4 » . ثم التفت إليّ وقال : أنت عطشان ؟ فقلت : نعم ، وما تقدر أن تعمل في مثل هذا الموضع ؟ فأخذ الرّكوة منّي ، ودخل البحر ، وغرف من الماء ، وجاءني به ، وقال : اشرب . فشربت ماء أعذب من ماء النّيل ، وأصفى لونا ، وفيه حشيش . فقلت في نفسي : هذا وليّ للّه تعالى ، ولكن أدعه حتى إذا وافينا المنزل سألته الصّحبة . فوقف ، وقال : أيّما أحبّ إليك تمشي أو أمشي ؟ فقلت : إن تقدّم فأتني ، ولكن أتقدّم أنا وأجلس في بعض المواضع ، فإذا جاء سألته
--> ( 1 ) في الروض المعطار 422 : عينونا في طريق مكة من مصر . ( 2 ) رواه مالك في الموطأ 2 / 903 في حسن الخلق : باب ما جاء في حسن الخلق ؛ والترمذي ( 2318 ، 2319 ) في الزهد : باب رقم 11 ؛ وابن ماجة ( 3976 ) في الفتن : باب كف اللسان في الفتنة . قال شيخنا عبد القادر الأرناؤوط حفظه اللّه تعالى : وهو حديث حسن ، وهو أصل عظيم من أصول الأدب . جامع الأصول 11 / 729 . ( 3 ) في ( أ ) : « وقلت » . ( 4 ) كظّه العطش : كربه وجهده وملأه . معجم متن اللغة ( كظظ ) .