مجد الدين ابن الأثير
428
المختار من مناقب الأخيار
مصر قال يوسف بن الحسين : كان شابّ يحضر مجلس ذي النّون بن إبراهيم المصريّ مدّة ، ثم انقطع عنه زمانا ، ثم حضر عنده وقد اصفرّ لونه ، ونحل جسمه ، وظهرت آثار العبادة والاجتهاد عليه ، فقال له ذو النّون : يا فتى ، ما الذي أكسبتك خدمة مولاك واجتهادك من المواهب التي منحك بها ، ووهبها لك « 1 » ، واختصّك بها ؟ فقال الفتى : يا أستاذ ، هل رأيت عبدا اصطنعه مولاه من بين عبيده ، واصطفاه وأعطاه مفاتيح الخزائن ، ثم أسرّ إليه سرّا ، أيحسن أن يفشي ذلك السّر ؟ ثم أنشأ يقول : من سارروه فأبدى السّرّ مجتهدا * لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وباعدوه فلم يسعد بقربهم * وأبدلوه من الإيناس إيحاشا لا يصطفون مذيعا بعض سرّهم * حاشا ودادهم من ذلكم حاشا « 2 » * * * وقال الأوزاعيّ : حدثني حكيم من الحكماء ، قال : مررت بعريش « 3 » مصر وأنا أريد الرّباط ، فإذا أنا برجل في مظلّة قد ذهبت عيناه ويداه ورجلاه ، وبه أنواع من البلاء ، وهو يقول : الحمد للّه حمدا يوافي محامد خلقك بما أنعمت عليّ ، وفضّلتني على كثير ممّن خلقت تفضيلا . فقلت :
--> ( 1 ) في ( ب ) : « ووهبك إياها » . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 323 ، 324 ، والأبيات في روض الرياحين 301 ( الحكاية 244 ) وفيها زيادة بيت : فكن بهم ولهم في كلّ نائبة * إليهم ما بقيت الدهر هشاشا ( 3 ) العريش : مدينة على ساحل البحر المتوسط . قال ياقوت : آخر مدينة تتصل بالشام من أعمال مصر .