مجد الدين ابن الأثير
424
المختار من مناقب الأخيار
قد ذهب السّجود بجبهتها وأنفها ، واصفرّ لطول القيام لونها ، وتورّمت قدماها ، فقالت : أحسنت واللّه يا هادي « 1 » قلوب العارفين ، ومثير أشجان علل « 2 » المحزونين ، لا نسي لك هذا المقام ربّ العالمين ؛ يا أبا عامر ، هذا الشيخ والدي ، وهو مبتلى بالسّقم منذ عشرين سنة « 3 » صلّى حتى أقعد ، وبكى حتى عمي ، وكان يتمنّاك على اللّه ، ويقول : حضرت مجلس أبي عامر البناني ، فأحيا موات فكري ، وطرد وسن نومي ، وإن سمعته ثانيا قتلني ، فجزاك اللّه من واعظ خيرا ، ومتّعك من حكمتك بما أعطاك . ثم أكبّت على أبيها تقبّل عينيه وتبكي ، وتقول : يا أبي ، يا أبتاه ، يا من أعماه البكاء على ذنبه « 4 » ، يا أبتاه ، يا من قتله ذكر وعيد ربّه . ثم علا البكاء والنّحيب والاستغفار والدّعاء ، وجعلت تقول : يا أبي يا أبتاه ، يا حليف الحرقة والبكاء ، « 5 » يا أبي يا أبتاه ، يا جليس الابتهال والدّعاء ، يا أبي يا أبتاه ، يا صريع المذكّرين والخطباء « 5 » « 5 » ، يا أبي يا أبتاه ، يا قتيل الوعّاظ والحكماء . قال أبو عامر : فأجبتها ، وقلت لها : أيّتها الباكية الحيري ، والنّادبة الثّكلى ، إنّ أباك نحبه قد قضى ، وورد دار الجزاء ، وعاين كلّ ما عمل ، وعليه يحصى في كتاب عند ربي لا ينسى ، فمحسن فله الزّلفى ، أو مسيء فوارد دار من أساء . فصاحت الجارية كصيحة أبيها ، وجعلت ترشح عرقا ، وخرجت مبادرا إلى مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وفزعت إلى الصلاة ، والدّعاء ، والاستغفار ، والتضرّع ، والبكاء ، حتى كان عند العصر فجاءني الغلام الأسود فآذنني بجنازتيهما ، فقال « 6 » : احضر الصلاة عليهما ودفنيهما .
--> ( 1 ) في صفة الصفوة : « يا حادي » . ( 2 ) في ( أ ) : « غليل » . ( 3 ) في صفة الصفوة : « منذ عشر سنين » . ( 4 ) في ( ب ) : « خطيئته » . ( 5 ) ( 5 - 5 ) ما بيهما ليس في ( أ ) . ( 6 ) في صفة الصفوة : « فقلت » .