مجد الدين ابن الأثير

415

المختار من مناقب الأخيار

العريف « 1 » فتبرّأ منّي ، وقال : إنّ هذا يكثر الصلاة والصّوم ، فأخاف أن يرى رأي الخوارج . قال : فو اللّه إنّا لنتحدّث عند مغيب الشمس ، ومعنا إبراهيم التّيمي ، إذا نحن برجل قد دخل علينا السّجن ، فقلنا : يا عبد اللّه ، ما قصّتك ، ما أمرك ؟ قال : لا واللّه ، ما أدري ، ولكنّي أظنّ أخذت في رأي الخوارج . فيا للّه ! إنّه لرأي ما رأيته ، ولا هويته ، ولا أحببته ، ولا أحببت أهله . ادعوا لي بوضوء ، فدعونا له بماء ، فتوضّأ ثم قام فصلّى أربع ركعات ، وقال : اللهمّ ، إنّك تعلم على إساءتي وظلمي وإسرافي أنّي لم أجعل لك ولدا ولا ندّا ، ولا صاحبة ولا كفوا ، فإن تعذّب فعبدك ، وإن تعفو فإنّك أنت العزيز الحكيم . اللهمّ ، إنّي أسألك يا من لا تغلّظه المسائل ، ويا من لا يشغله سمع عن سمع ، ويا من لا يبرمه إلحاح الملحّين أن تجعل لي في ساعتي هذه فرجا ومخرجا من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب ، ومن حيث أعلم ، ومن حيث لا أعلم ، ومن حيث أرجو ، ومن حيث لا أرجو ، وخذ لي بقلب عبدك الحجّاج وسمعه ، وبصره ولسانه ويده ورجله ، حتى يخرجني من ساعتي هذه ؛ فإنّ قلبه وناصيته في يدك . أي ربّ ، أي ربّ ، أي ربّ . قال : فأكثر ، فو اللّه الذي لا إله غيره ، ما قطع دعاءه حتى ضرب باب السجن ، وقائل يصيح : أين فلان ؟ فقام صاحبنا ، فقال : يا هؤلاء ، إن تكن العافية فو اللّه لا أدع الدّعاء ، وإن تكن الأخرى فجمع اللّه بيننا وبينكم في رحمته . فبلغنا من غد أنّه خلّي عنه « 2 » .

--> ( 1 ) العريف : القيّم بأمور الجماعة من الناس ، يلي أمورهم ، ويتعرّف الأمير منه أحوالهم . معجم متن اللغة ( عرف ) . ( 2 ) الفرج بعد الشّدّة لابن أبي الدّنيا 84 ، والفرج بعد الشدّة للتنوخي 1 / 261 ، 262 .