مجد الدين ابن الأثير

401

المختار من مناقب الأخيار

وقال عبد اللّه بن عبيد بن عمير : خرجنا مع أبي فكنّا في أرض فلاة ، فرفع لنا سواد فظننّاه شجرة ، فلمّا دنونا إذا رجل قائم يصلّي ، فانتظرناه لينصرف فيرشدنا إلى القرية التي نريد ، فلمّا لم ينصرف ، قال له أبي : إنّا نريد قرية كذا وكذا ، فأوم لنا قبلها بيدك . قال : ففعل . قال : فإذا له حوض محوّض يا بس ليس فيه ماء ، وإذا قربة يابسة . فقال له أبي : إنّا نراك بأرض فلاة ، وليس عندك ماء ، أفنجعل في قربتك من هذا الماء الذي عندنا ؟ فأومأ أن لا . فلم نبرح حتى جاءت سحابة فمطرت ، فامتلأ حوضه ذلك . فلمّا أن دخلنا القرية ذكرناه لهم ، فقالوا : نعم ، ذاك فلان لا يكون في موضع إلّا سقي . قال : فقال أبي : كم من عبد صالح لا نعرفه « 1 » . * * * وقال بهيم العجلي : ركب معنا شابّ من بني مرّة من أهل البدو والبحر « 2 » فجعل يبكي الليل والنهار ، فعاتبه أهل المركب على ذلك ، وقالوا : ارفق بنفسك قليلا . فقال : إنّ أقلّ ما ينبغي أن يكون لنفسي عندي أن أبكيها ، وأبكي عليها أيّام الدّنيا ؛ لعلمي بما يمرّ عليها غدا . قال : فما بقي في المركب أحد إلّا بكى « 3 » . * * * وقال مسكين بن دينار : كان في تيم اللّه شيخ متعبّد يجتمع إليه فتيان الحيّ ونسّاكهم ، فيذكّرهم ، فإذا أرادوا أن يتفرّقوا ، قال : يا إخوتاه ، قوموا قيام قوم قد يئسوا من المعاودة لمجلسهم خوفا « 4 » من خطفات الموكّل

--> ( 1 ) في ( ب ) : « عبد للّه صالح » ، والخبر في صفة الصفوة 4 / 378 . ( 2 ) في ( ب ) : « من أهل البر والبحر » . ( 3 ) صفة الصفوة 4 / 381 . ( 4 ) في ( ب ) : « لمجلسهم هذا خوفا » .