مجد الدين ابن الأثير
40
المختار من مناقب الأخيار
بغيتك إن شاء اللّه . فحملني إلى مسجد معروف الكرخي الذي على دجلة في أصحاب السّاج ، وقال لي : هذا معروف الكرخيّ يبيت في المسجد ، ويصلّي فيه . تطهّر للصلاة ، وامض إليه ، وقصّ عليه حالك ، وسله أن يدعو لك ، ففعلت ، ودخلت المسجد ، فإذا معروف يصلّي في المحراب ، فسلّمت ، وصلّيت ركعتين ، وجلست ، فلمّا سلّم ردّ عليّ السّلام ، وقال لي : من أنت ، رحمك اللّه ؟ فقصصت عليه قصّتي وحالي ، فسمع ذلك منّي ، وقام يصلّي ، ومطرت السماء مطرا كثيرا ، فاغتممت لذلك ، وقلت : كيف جئت إلى هذا الموضع ، ومنزلي سوق يحيى ؟ وقد جاء هذا المطر ، وكيف أرجع إلى منزلي ؟ واشتغل قلبي بذلك ، فبينا نحن كذلك إذ سمعت صوت حافر دابّة ، فقلت : في مثل هذا الوقت حافر دابة ! فإذا هو يريد المسجد ، فنزل ودخل وسلّم وجلس ، فسلّم معروف ، وقال : من أنت ، رحمك اللّه ؟ فقال له الرجل : أنا رسول فلان ، وهو يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : كنت نائما على وطاء ، وفوقي دثار ، فانتبهت على صورة نعمة اللّه عليّ ، فشكرت اللّه ، ووجّهت إليك بهذا الكيس ، فادفعه إلى مستحقّه . فقال له : ادفعه إلى هذا الرجل الهاشميّ . فقال له : إنّه خمس مائة دينار . فقال له : اعطه ، فلذلك طلب له . قال : فدفعها إليّ ، فشددتها في وسطي ، وخضت الوحل والطين في الليل حتى صرت إلى منزلي ، وجئت إلى البقّال ، فقلت له : افتح بابك . ففتح . فقلت : هذه خمس مائة دينار قد رزقني اللّه ، فخذ مالك عليّ ، وخذ ثمن ما أريد . فقال لي : دعها معك [ إلى غد ] وخذ ما تريد . وأخذ مفاتيحه ، وصار إلى دكانه ، ودفع إليّ سكرا وعسلا وشيرجا « 1 » ، وشحما وأرزّا وما يحتاج إليه ، وقال لي : خذ . فقلت : ما أطيق حمله . فقال : أنا أحمل معك . فحمل بعضه ، وحملت أنا بعضه ، وجئت إلى منزلي ، والباب مفتوح ، ولم تكن فيها نهوض لإغلاقه ، وقد
--> ( 1 ) الشّيرج : دهن السمسم . متن اللغة .