مجد الدين ابن الأثير

398

المختار من مناقب الأخيار

الفلوات قال سعيد بن أبي عروبة : حجّ الحجّاج ، فنزل بعض المياه بين مكّة والمدينة ، ودعا بالغداء ، فقال لحاجبه : انظر من يتغدّى معي ، وأسأله عن بعض الأمر . فنظر نحو الجبل فإذا هو بأعرابيّ بين شملتين من شعر ، نائم ، فضربه برجله ، وقال له : إيت الأمير . فأتاه ، فقال له الحجّاج : اغسل يديك وتغدّ معي . فقال : إنّه دعاني من هو خير منك فأجبته . قال : ومن هو ؟ قال : اللّه تبارك وتعالى دعاني إلى الصّوم فصمت . قال : في هذا الحرّ الشديد ؟ ! قال : نعم ، صمت ليوم هو أشدّ حرّا من هذا اليوم . قال : فأفطر وصم غدا . قال : إن ضمنت لي البقاء إلى غد أفطرت . قال : ليس ذاك إليّ ، قال : فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه ؟ قال : إنّه طعام طيّب . قال : لم تطيّبه أنت ولا الطّباخ إنّما طيّبته العافية « 1 » . رحمة اللّه عليه . * * * وقال ذو النّون : خرجت في سفر ، فبينا أنا أسير في برّيّة ، وقد اعتكر الليل ، وتغشّت ظلمة الأفق ، وسكنت حركات البشر إذا أنا بشخص مارّ بين يدي فلحقته ، فإذا رجل كهل حسن الوجه ، طيّب الرّيح ، فصيح اللّسان ، عذب الكلام ، عليه بزّة حسنة ، فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السلام ، فقلت : يا شيخ ، ما الذي دعاك إلى الوحدة والانفراد في هذا المكان القليل الألّاف ، البعيد من الناس ؟ فقال : طلب الظّفر بمن يملك رزق البشر ، وهو على كلّ

--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 377 ، روض الرياحين 285 ( الحكاية 222 ) .