مجد الدين ابن الأثير
392
المختار من مناقب الأخيار
بالفقير حرّك شفتيه ، وإذا كلّ ما حولي من الأرض ذهب يتّقد ، حتى كاد يخطف بصري ، ولبستني منه هيبة ، فجاز ولم أسلّم عليه من هيبته . قال الشيخ أبو بكر : وزادني أبو الفرج بن أبان في هذه الحكاية قال : فقلت له : فرأيته بعد ذلك ؟ فقال : نعم ، خرجت يوما إلى خارج طرسوس ، فإذا أنا بالفتى جالس تحت برج من الأبرجة ، وبين يديه ركوة فيها ماء ، فسلّمت عليه ، ثم استدعيت منه موعظة ، فمدّ رجله فقلب الماء ، ثم قال لي : كثرة الكلام ينشّف الحسنات كما نشفت الأرض هذا الماء . قم يكفيك « 1 » . رحمة اللّه عليهما . * * * وقال عليّ بن الحسن بن موسى : قال رجل لأمتحننّ أهل البلاء . قال : فدخلت على رجل بطرسوس ، وقد أكلت الأكلة أطرافه ، فقلت له : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت - واللّه - كلّ عرق وكلّ عضو يألم على حدته من الوجع ، وإنّ ذلك لبعين اللّه ، أحبّه إليّ أحبّه إلى اللّه ، وما قدر ما أخذ ربّي منّي ؟ وددت أنّ ربّي قطع الأعضاء منّي التي اكتسبت بها الإثم ، وأنّه لم يبق منّي إلّا لساني يكون له ذاكرا . قال : فقال له رجل : متى بدأت بك هذه العلّة ؟ فقال : الخلق كلّهم عبيد اللّه وعياله ، فإذا نزلت بالعباد علّة فالشكوى إلى اللّه ليس يشكى إلى العباد « 2 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * *
--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 285 . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 287 .