مجد الدين ابن الأثير

390

المختار من مناقب الأخيار

وقال أبو بكر محمد بن داود : حكيت لأبي الحسين بن حديق فقلت له : يا سيدي ، ذكر عن عليّ بن الموفّق رضي اللّه عنه أنّه قال : حجّ إحدى وثلاثين حجّة فأدركه رقّة في الموقف على أهل الموقف ، فقال : يا رب ، قد رحمت أهل الموقف ، أشهدك وملائكتك أنّي قد وهبت لهم ثلاثين حجّة ، وواحدة لي . فأري في منامه في المكان : يا ابن الموفّق ، أعليّ تتسخّى وأنا وهبت السّخاء لمن أريد ؟ إنّي قد وهبت من ورد البيت السنة لك . قال : فقال لي ابن حديق : ذهب عليك يا أبا بكر . قلت : يقول الشيخ : فقال : هذه الحكاية عندنا مجوّدة محكّكة أنّه رأى بعرفات في المنام ، فقال : يا ابن الموفّق ، تتسخّى علينا ، ونحن وهبنا السّخاء لمن نريد ، أشهدك أنّا قد وهبناك « 1 » من ورد هذا البيت من الموحّدين إلى يوم القيامة . فقلت : هذا الخلق من أخلاق اللّه عزّ وجلّ . فقال ابن حديق : كان هاهنا عندنا بالمصّيصة رجل أسخى من عليّ بن الموفّق . فقلت : يا سيّدي ، هذا بذل الآخرة ، فأيش أسخى من ذلك ؟ ! فقال لي : ذاك استأثر شيئا من إحدى وثلاثين حجّة واحدة لنفسه ، وهذا الشّيخ كان له ثمانون حجّة ، مقبل على اللّه تعالى ، فزاره أخوان له من أذنة فلمّا سلّما عليه قالا له : يا شيخنا ، ما جئنا إلى المصّيصة لحاجة لنا بها إلّا السلام عليك . فقال الشيخ : قبلكما اللّه تعالى ، وقبل سعيكما . فقالا له : أنت تعلم أنّ لنا لمكانا وظهرا نركب عليه ، وما جئنا إلّا رجّالة إعظاما لقدرك . فقال الشيخ : اللهمّ اقبلهما واقبل منهما ، اللهمّ إن كنت تعلم أنّي عملت لك عملا في طول عمري فقبلت ذلك العمل منّي فأشهدك وملائكتك أنّي قد وهبت ثواب ذلك لهما . فهذا أسخى من عليّ بن الموفّق يا أبا بكر . * * *

--> ( 1 ) في ( ب ) : « لمن نريد ، إنا وهبناك » .