مجد الدين ابن الأثير
383
المختار من مناقب الأخيار
بغلة ، وبين يديه غلمان يطوفون ويعنّفون الناس ، ثم إنّي بعد حين دخلت بغداد فكنت على الجسر ، فإذا برجل حاف حاسر ، طويل الشّعر ، قال : فجعلت انظر إليه ، وأتأمّله . فقال : مالك تنظر إليّ ؟ فقلت : شبّهتك برجل رأيته بمكّة . ووصفت له الصفة . فقال : أنا ذلك الرجل . فقلت : ما فعل اللّه تعالى بك ؟ فقال : ترفّعت في موضع يتواضع الناس فيه ، فوضعني اللّه تعالى في موضع يرتفع الناس فيه . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * عبّادان قال أبو عاصم العبّادانيّ : كان رجل من بني سعد يقدم علينا في أوّل ما اتّخذت عبّادان ، وكانت إذ ذاك وبيئة . قال : فكان يصلّي الليل والنّهار لا يكاد يفتر ، فإذا كان السّحر احتبى واستقبل البحر . فجعل يبكي وينوح على نفسه . قال : فإذا أحسّ بإنسان أمسك . قال : فخرجت ذات ليلة إلى الساحل ، فإذا أنا بصوته ، وإذا هو يبكي ويقول في بكائه : ألا يا عين ويحك أسعديني * بطول الدّمع في ظلم اللّيالي لعلّك في القيامة أن تفوزي * بطول الدّمع في تلك العلالي « 1 » قال : فلما أحسّ بحسّي أمسك ، فرجعت وتركته « 2 » . رحمة اللّه عليه . * * *
--> ( 1 ) في ( ب ) : « بخير الدهر في تلك العلالي » . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 58 .