مجد الدين ابن الأثير
376
المختار من مناقب الأخيار
جناياتها العمى عن جناياتها . فقلت : هل من دواء تعالج به من هذا العمى الذي قد حجب عنّي ما يراد بي ؟ قال : ما أراك تقدر على العلاج ، فاستعمل من الدواء أيسره . قلت : صف لي دواء لطيفا . قال : فما داؤك ؟ قلت : حبّ الدّنيا . فتبسّم وقال : أيّ قرحة أعظم من هذه ؟ ! ولكن اشرب السّموم الطريّة والمكاره الصّعبة . قلت : ثم ما ذا ؟ قال : مرّ الصّبر الذي لا جزع فيه ، والتّعب الذي لا راحة فيه . قلت : ثم ما ذا ؟ قال : الوحشة التي لا أنس فيها والفرقة التي لا اجتماع معها . قلت : ثم ما ذا ؟ قال : السّلوّ عمّا تريد ، والصّبر على ما تحبّ ، فإن أردت فاستعمل هذا وإلّا فتأخّر واحذر الفتن كأنّها قطع الليل « 1 » المظلم . قلت : فدلّني على عمل يقرّب « 2 » إلى اللّه عزّ وجلّ . فقال : يا أخي ، قد نظرت في جميع العبادات فلم أر أنفع من الفرار من الناس وترك مخالطتهم . يا أخي ، رأيت القلب عشرة أجزاء ، تسعة مع الناس وجزء مع الدّنيا ، فمن قوي على الانفراد حاز تسعة أجزاء من القلب . ثم غاب عنّي فلم أره « 3 » . رحمة اللّه عليه . * * * وقال أحمد بن أبي الحواري : حججت أنا وأبو سليمان رضي اللّه عنه ، فبينا نحن نسير إذ سقطت السّطيحة « 4 » منّي ، فقلت لأبي سليمان : فقدت السّطيحة ، وبقينا بلا ماء ، وكان البرد شديدا ، فقال أبو سليمان : اللهمّ يا رادّ الضّالّة ، ويا هاديا من الضّلالة أردد علينا الضّالّة . قال : وإذا واحد ينادي : من ذهبت له سطيحة ؟ فقال أحمد : قلت : أنا . وأخذتها ، فبينا نحن نسير
--> ( 1 ) في ( ب ) : « فإنها كقطع الليل » . ( 2 ) في ( ب ) : « أتقرب به » . ( 3 ) صفة الصفوة 4 / 426 . ( 4 ) السطيحة : المزادة تكون من جلدين . متن اللغة ( سطح ) .