مجد الدين ابن الأثير

374

المختار من مناقب الأخيار

وقال ذو النون : رأيت رجلا في برّيّة يمشي حافيا ، وهو يقول : المحبّ مجروح الفؤاد ، ولا راحة له ، فسلّمت عليه ، فقال : وعليك السلام ، يا ذا النون . فقلت : عرفتني قبل هذا ؟ قال : لا . قلت : فمن أين لك هذه الفراسة ؟ فقال : ممّن يملكها ، ليست منّي ، هو الذي نوّر قلبي بالفراسة حتى عرّفني إيّاك من غير معرفة سبقت منّي ، يا ذا النّون ، قلبي عليل ، وجسمي مشغول ، وأنا سائح في البرّيّة أسير فيها منذ عشرين سنة ما عرفت بيتا ، ولا يكنّني سقف يسترني من الشمس إذا ألظّت ، ويحفظني من الرّياح إذا هبّت ، فصف لي بعض ما أنا فيه إن كنت وصّافا . فقلت : القلب إذا كان عليلا جالت الأحزان والأسقام فيه ، ليس للقلب مع ذلك دواء . فصرخ صرخة ، ثم قال : مالي وللشكوى . ثم قال : ما صحبت صاحبا منذ صحبته ، أصحبك اليوم ؟ قلت : فقم بنا . فقمنا جميعا نسير بلا زاد ، فلمّا أوغلنا في البرّيّة ، وطوينا ثلاثا قال لي : قد جعت ؟ قلت : نعم . قال : فأقسم عليه حتى يطعمك ؟ قلت : لا ، والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة لا سألته شيئا ، إن شاء أطعم وإن شاء ترك . فتبسّم وقال : امض الآن ، فلقد أفيض علينا من أطايب الأطعمة ولذيذ الأشربة ، حتى دخلنا مكّة سالمين ، ثم فارقني وفارقته . وكان ذو النّون كلما ذكره بكى وتأسّف على صحبته « 1 » . رحمة اللّه عليهما ورضوانه . * * * وقال ذو النّون : بينا أنا سائر في بعض الطّرق فإذا فتى حسن الوجه ، أثر التهجّد بين عينيه ، فقلت : حبيبي ، من أين قدمت ؟ قال : من عنده . فقلت : وإلى أين تريد ؟ قال : إلى عنده . قال : فعرضت عليه النّفقة ، فنظر إليّ مغضبا ، ثم ولّى ، وأنشأ يقول :

--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 424 .