مجد الدين ابن الأثير
362
المختار من مناقب الأخيار
والناس قد نزلوا ، فأخرجت قربة ومضيت فملأتها ، ورجعت ، فلمّا رأى الناس القربة على كتفي مملوءة وكأنّه نودي فيهم : إنّ الماء وراءكم . فتبادروا إليه بالقرب ، فلما روي الناس عن آخرهم وسارت القافلة جئت لأنظر ، فإذا البركة ملأى تلتطم بأمواجها ، والناس يرمون الدّلاء ويرتجزون عليه . وموسم يحضره مثل هؤلاء يقولون : اللهمّ اغفر لمن حضر الموقف ولجماعة المسلمين أوثر عليه أربعة آلاف دينار ؟ لا واللّه ولا الدّنيا بأسرها . وترك اللؤلؤ وجميع قماشه . قال الشيخ : فبلغني أنّ قيمة ما كان غرق له خمسون ألف دينار « 1 » . * * * وقال إبراهيم بن المهلّب ، أبو الأشهب السّائح : رأيت بين الثّعلبيّة والخزيميّة « 2 » غلاما قائما يصلّي عند بعض الأميال « 3 » قد انقطع عن الناس ، فانتظرته حتى قطع صلاته ، ثم قلت له : ما معك مؤنس ؟ قال : بلى . قلت : وأين هو ؟ قال : أمامي ومعي وخلفي وعن يميني وعن شمالي وفوقي . فعلمت أنّ عنده معرفة . قلت : أما معك زاد ؟ قال : بلى . قلت : فأين هو ؟ قال : الإخلاص للّه عزّ وجلّ ، والتّوحيد له ، والإقرار بنبيّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وإيمان صادق ، وتوكّل واثق . قلت : هل لك في مرافقتي ؟ قال : الرّفيق يشغل عن اللّه عزّ وجلّ ، ولا أحبّ أن أرافق أحدا ، فأشتغل به عنه طرفة عين فيقطعني عن بعض ما أنا عليه . قلت : أما تستوحش في هذه البرّيّة وحدك ؟ فقال : إنّ
--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 402 . ( 2 ) الثعلبيّة : من منازل طريق مكة من الكوفة . والخزيمية : منزل من منازل الحاج بعد الثعلبية من الكوفة ، معجم البلدان . ( 3 ) الأميال : جمع ميل ، وهو ما يبنى في أنشاز الأرض وأشرافها للمسافر . معجم متن اللغة ( ميل ) .