مجد الدين ابن الأثير

359

المختار من مناقب الأخيار

وقام الناس معه حتى دخل عليه ، فإذا هو مستقبل القبلة ميّت مسجّى ، عليه عباءة . فقال لي عبّاد : هذا صاحبك ؟ قلت : نعم . قال : تركته صحيحا ؟ قلت : تركته الساعة صحيحا . قال : فجلس يبكي عند رأسه ، ثم أخذ في جهازه ، وصلّى عليه ودفنه . قال : واحتشد الناس في جنازته . فلمّا كان يوم النّحر ، قلت : واللّه لأقرأنّ الكتاب كما أمرني ، ففتحته فإذا فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أمّا بعد ، وأنت يا أخي نفعك اللّه بمعروفك يوم يحتاج الناس إلى صالح أعمالهم ، وجزاك اللّه عن صحبتنا خيرا ، فإنّ صاحب المعروف يجده لجنبه يوم القيامة مضطجعا ، وإنّ حاجتي إليك إذا قضى اللّه نسكك أن تنطلق إلى بيت المقدس فتدفع ميراثي إلى وارثي والسلام عليك ورحمة اللّه . قال : فقلت في نفسي : كلّ أمرك - رحمك اللّه - عجيب ، وهذا من أعجب أمرك ، كيف آتي بيت المقدس ولم يسمّ لي أحدا ، ولم يصف لي موضعا ، ولا أدري إلى من أدفعه ؟ قال : وخلّف قدحا ، وجرابه ذلك ، وعصا كان يتوكّأ عليها . قال : وكفّنّاه في ثوبي إحرامه ، ولففنا العباء فوق ذلك . قال : فلمّا انقضى الحجّ قلت : واللّه لأنطلقنّ إلى بيت المقدس فلعلّي أن أقع على وارث هذا الرّجل . قال : فانطلقت حتى أتيت بيت المقدس ، فدخلت المسجد وهم حلق حلق ، قوم فقراء مساكين . قال : فبينا أنا أدور أتصفّح الناس لا أدري عمّن أسأل إذ ناداني رجل من بعض تلك الحلق باسمي : يا فلان ، فالتفتّ إليه فإذا شيخ كأنّه صاحبي ، فقال : هات ميراث فلان . قال : فدفعت إليه العصا ، والقدح ، والجراب ثمّ ولّيت راجعا . قال : واللّه ما خرجت من المسجد حتى قلت لنفسي : تضرب من مكّة إلى بيت المقدس وقد رأيت من الشيخ الأول ما رأيت . ورأيت من هذا الشيخ ما رأيت ، ولا تسأل هؤلاء القوم أيّ شيء قضيتهم ؟ وتسألهم عن