مجد الدين ابن الأثير

357

المختار من مناقب الأخيار

لي : انطلق فاشتر ذلك الحمار . فانطلقت وأنا أقول في نفسي : واللّه ما معي ثمنه ، ولا أعلم معه ثمنه ، فكيف أشتريه ؟ قال : فأتيت صاحب الحمار ، فساومته به ، فأبى أن ينقصه من ثلاثين دينارا ، قال : فجئت إليه ، وقلت : قد أبى أن ينقصه من ثلاثين دينارا . قال : خذه ، واستخر اللّه . قلت : الثمن ؟ قال : قل بسم اللّه « 1 » ، ثم أدخل يدك في الجراب فخذ الثمن فأعطه . قال : فأخذت الجراب ، ثم قلت : بسم اللّه . وأدخلت يدي فيه ، فإذا صرّة فيها ثلاثون دينارا لا تزيد ولا تنقص . قال : فدفعتها إلى الرجل ، وأخذت الحمار ، وجئت به ، فقال لي : اركب . فقلت له : أنت أضعف منّي ، فاركب أنت . قال : فلم يرادّني الكلام وركب . وكنت أمشي مع حماره ، فحيث أدركه الليل أقام ، فإنّما هو راكع وساجد حتى أتينا عسفان ، فلقيه شيخ فسلّم عليه ، ثم خلوا فجعلا يبكيان ، فلمّا أرادا أن يتفرّقا قال صاحبي للشيخ : أوصني . قال : نعم ، ألزم التّقوى قلبك ، وانصب ذكر المعاد أمامك . قال : زدني . قال : استقبل الآخرة بالحسنى من عملك ، وباشر عوارض الدّنيا بالزّهد من قلبك ، واعلم أنّ الأكياس هم الذين عرفوا عيب الدّنيا حين عمي « 2 » على أهلها ، والسلام عليك ورحمة اللّه . ثم افترقا ، فقلت لصاحبي : من هذا الشيخ يرحمك اللّه ؟ فما رأيت أحسن كلاما منه . فقال : عبد من عبيد اللّه . قال : فخرجنا من عسفان حتى أتينا مكّة فلمّا انتهينا إلى الأبطح نزل عن حماره ، وقال لي : أثبت مكانك حتى انظر إلى بيت اللّه نظرة ثم أعود إليك إن شاء اللّه . قال : فانطلق وعرض لي رجل ، فقال : تبيع الحمار ؟ قلت : نعم . قال : بكم ؟ قلت : بثلاثين دينارا . قال : قد أخذته منك . قلت :

--> ( 1 ) في ( ب ) : « قال : سم اللّه » . ( 2 ) في ( ب ) : « حتى عمي » .