مجد الدين ابن الأثير
344
المختار من مناقب الأخيار
ظننّا أنّه من أصحاب الحديث ، فقال له أبو سعيد : يا فتى ، على أيّ الطّريق تسير ؟ فقال : ليس أعرف إلّا طريقين : طريق الخاصّة ، وطريق العامّة . فأمّا طريق العامة فهذا الذي أنتم عليه ، وأمّا طريق الخاصّة فبسم اللّه . وتقدّم إلى البحر ومشى حيالنا على الماء . فلم نزل نراه حتى غاب عن أبصارنا « 1 » . رحمة اللّه عليه . * * * وقال عبّاد أبو عتبة « 2 » الخوّاص : حدّثني رجل من الزّهّاد ممّن يسيح في الجبال ، قال : لم تكن لي همّة في شيء من الدّنيا ، ولا لذّة إلّا في لقيّهم « 3 » - يعني الأبدال والزّهّاد - قال : فبينا أنا ذات يوم على ساحل البحر ليس يسكنه الناس ولا ترقى إليه السّفن ، إذا أنا برجل قد خرج من تلك الجبال ، فلما رآني هرب ، وجعل يسعى ، واتّبعته أسعى خلفه ، فسقط على وجهه وأدركته ، فقلت : ممّن تهرب رحمك اللّه ؟ فلم يكلّمني . فقلت : إنّي أريد الخير فعلّمني . قال : عليك بلزوم الحقّ حيث كنت ، فو اللّه ما أنا بحامد لنفسي فأدعوك إلى مثل عملها . ثم صاح صيحة فسقط ميتا . فمكثت لا أدري كيف أصنع به . قال : وهجم الليل علينا فتنحّيت فنمت ناحية عنه ، فأريت في منامي أربعة نفر هبطوا عليه من السماء على جبل « 4 » فحفروا له وكفّنوه ، وصلّوا عليه ، ثم دفنوه . فاستيقظت فزعا للذي رأيت ، فذهبت عنّي وسنة النّوم بقيّة الليل . فلمّا أصبحت انطلقت إلى موضعه ، فلم أره فيه ، فلم أزل أطلب أثره وانظر حتى رأيت قبرا جديدا ظننت أنّه القبر الذي
--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 370 . ( 2 ) في ( ب ) : « ابن عتبة » . ( 3 ) في صفة الصفوة 4 / 371 : « لقياهم » . ( 4 ) في صفة الصفوة : على خيل .