مجد الدين ابن الأثير
341
المختار من مناقب الأخيار
فلمّا قدمنا عبّادان « 1 » ، قلت لأصحابي : هذا قريب عهد بالإسلام . فجمعنا له دراهم وأعطيناه . فقال : ما هذه ؟ قلنا : تنفقها . فقال : لا إله إلّا اللّه ، دللتموني على طريق ما سلكتموها ، أنا كنت في جزائر البحر أعبد صنما من دونه ولم يضيّعني ، أفتراه يضيّعني « 2 » وأنا أعرفه ؟ ! فلمّا كان بعد أيام قيل لي : إنّه في الموت . فأتيته ، فقلت : هل من حاجة ؟ فقال : قضى حوائجي من جاء بكم إلى جزيرتي . قال عبد الواحد : فحملتني عيني « 3 » فنمت عنده ، فرأيت مقابر عبّادان روضة فيها قبّة ، وفي القبّة سرير عليه جارية لم نر أحسن منها . فقالت « 4 » : سألتك باللّه إلّا ما عجّلت به ، فقد اشتدّ شوقي إليه . فانتبهت فإذا به قد فارق الدّنيا ، فغسّلته وكفّنته وواريته ، فلمّا جنّ الليل نمت ، فرأيته في القبّة مع الجارية وهو يقرأ : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [ الرعد : 23 ، 24 ] « 5 » . رحمة اللّه عليه . * * * وقال سمنون : دخلت عبّادان فسألت عن شيخ أسلّم عليه ، وآنس به ، فقيل لي : ما بقي عندنا أحد إلّا وقد رأيته ، ولم يبق لنا إلّا شيخ واحد في البحر ، قد نقر لنفسه ساجة « 6 » وهو يتعبّد فيها منذ ثلاثين سنة ، وربّما ألقته
--> ( 1 ) عبّادان : مدينة تقع تحت البصرة على شط العرب ، جنوب شرق العراق ، في دولة إيران ، رابط فيها عباد بن حصين في زمن الحجاج فنسبت إليه ؛ انظر معجم البلدان 4 / 74 . ( 2 ) عبارة : « أفتراه يضيعني » ليست في ( أ ) . ( 3 ) في ( ب ) : « عيناي » . ( 4 ) في ( ب ) : « أر أحسن منها فقلت » . ( 5 ) صفة الصفوة 4 / 369 . ( 6 ) السّاجة : الخشبة الواحدة المشرجعة - الطويلة المربعة - كما جلبت من الهند . معجم متن اللغة ( سيج ) .