مجد الدين ابن الأثير

339

المختار من مناقب الأخيار

هبه تجاوز وعفا ، أين آثار الإخلاص والصّفا ؟ ثم صاح صيحة ، فخرجت روحه ، فخرجت عجوز من كهف جبل عليها ثياب رثّة ، فقالت : من أعان على قتل البائس « 1 » الحيران ؟ فقلت : يا أمة اللّه ، دعوته إلى الرّجاء ؟ فقالت : قد دعوته إلى ذلك فقال « 2 » : الرجاء بلا صفاء شرك . قلت : من أنت منه ؟ قالت : والدته . فقلت : أقيم عندك أعينك عليه ؟ فقالت : خلّه ذليلا بين يدي قاتله ، عسى « 3 » أن يراه بغير معين فيرحمه . فلم أدر ممّا أعجب ، من صدق الغلام من خوفه ، أو من قول العجوز ، وحسن صدقها « 4 » . رحمة اللّه عليهما ورضوانه . * * * الجزائر والبحار قال عبيد اللّه بن أبي نوح : لقيت رجلا من العبّاد في بعض الجزائر منفردا فقلت : يا أخي ، ما تصنع هاهنا وحدك ؟ أما تستوحش ؟ قال : الوحشة في غير هذا الموضع أعمّ . قلت : منذ كم أنت هاهنا ؟ قال : منذ ثلاثين « 5 » سنة . قلت : فمن أين المطعم ؟ قال : من عند المنعم . قلت : فما هنا في القرب منك شيء تعوّل عليه إذا احتجت إليه من المطعم رجعت إليه ؟ قال : ما أكرثك بما قد كفيته ، وضمن لك ! قلت : أخبرني بأمرك . قال : مالي أمر غير ما ترى ، غير أنّي أظلّ في هذا الليل والنهار متّكلا على كرم من لا تأخذه سنة ولا نوم . قال : ثم صاح صيحة أفزعني ، فوثبت ، وسقط مغشيّا عليه ،

--> ( 1 ) في ( أ ) : « من أعان على البائس » . ( 2 ) في ( ب ) : « فقالت » . ( 3 ) في ( أ ) : « عساه » . ( 4 ) صفة الصفوة 4 / 367 . وقد كتب على الهامش : « تبصرة لابن الجوزي » . ( 5 ) في ( أ ) : « منذ ثلاثون » .