مجد الدين ابن الأثير
337
المختار من مناقب الأخيار
وقال : بلغنا عن أبي الحارث الأولاسيّ أنّه قال : رأيت رجلا على رأس جبل كأنّه شنّ بال ، شاخص ببصره نحو السماء ، لا يفتر عن الذّكر ، فسألته المقام معه ، فقال : إن أطقت ما طوّقت فأقم ، وإلّا فامض عنّي . قلت : وما هو ؟ قال : يكون الذهب والفضّة عندك كالحصى والمدر ، والسّباع والهوامّ كالطير والأنعام . وخوفك من جنسك كخوفك من الشيطان ، وخوفك على دينك من صحبتهم كخوفك السّباع ، فلعلّك تنال ما تريد ؛ ومتى كان الذهب والفضّة أكبر في قلبك فإنّك ستميل إلى الأكبر . ومتى هبت السّباع أو شك أن تبعد إلى الأمن « 1 » ، ومتى أنست بالمخلوقين أوشك أن تهرب من الوحشة . وثلاثة أشياء هنّ تمام الأمر : أن تعلم أنّك مبتلى لا محالة ، وأنّ لك رزقا مقسوما ، وكذلك أجل معلوم . والثالث أن تقصّر الأمل ، فهنالك لا تبالي أين حللت من البلاد ؟ ولا من شاهدت من العباد ؟ فتقدّم إن شئت على بصيرة ، وإلّا فتأخّر على علم بضعف وعجز . قلت : صف لي ما يزيد « 2 » في صبري . قال : تعلّم أنّ اللّه ناظر إليك ، فقد روي في بعض الأخبار أنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : بعيني ما يتحمّل المتحمّلون من أجلي ، وما يكابد المكابدون في طلب مرضاتي ، فإذا علمت أنّ صبرك يرضي مولاك صبرت . قلت : فما السّبيل إلى الرّضا ؟ قال : علم القلب بأنّ المولى عادل في قضائه ، غير متّهم فيما حكم . قلت : فما معنى الرّضا ؟ قال : سرور القلب بمرّ القضا . ثم قال : لا تنم إلّا نوم يقظان ، وكيف يأمن من لم يأته الأمان ؟ وبادر قبل الفوت ، واستعن على تصفية الطّعمة بالقلّة ، والتمس الصّمت بقلّة الخطأ « 3 » ، واتّبع قول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم والسّلف ، ولا تميلنّ إلى محدثات الأمور ، وكلّ محدثة بدعة ، واعلم أنّ اللّه
--> ( 1 ) في ( ب ) : « إلى الأنس » . ( 2 ) في ( أ ) : « ما تريد » . ( 3 ) في صفة الصفوة 4 / 366 : « الخلطاء » .