مجد الدين ابن الأثير
334
المختار من مناقب الأخيار
فخرجت فطوّفت في ذلك الخراب ، أتأمّل آثارهم ، وما كانوا فيه ، إذ دخلت بيتا يشبه أن يكون مأهولا . قال : فقلت : إنّ لهذا البيت لشأنا . قال : فرجعت إلى أصحابي فقلت : إنّ لي إليكم حاجة . قالوا : وما هي ؟ قلت : تقيمون عليّ ليلة . قالوا : نعم . قال : فدخلت ذلك البيت ، فقلت : إن يكن له أهل فسيأوون إليه إذا جاء الليل . فلمّا أن جنّ الليل سمعت صوتا قد انحطّ من رأس الجبل يسبّح اللّه ويكبّره ويحمده ، فلم يزل الصوت يدنو كذلك حتى دخل البيت . قال : ولم أر في ذلك البيت شيئا إلّا جرّة ليس فيها شيء ، ووعاء ليس فيه طعام ، فصلّى ما شاء اللّه أن يصلّي ، ثم انصرف إلى ذلك الوعاء ، فأكل منه طعاما ، ثم حمد اللّه وأثنى عليه ، ثم أتى إلى تلك الجرّة فشرب منها شرابا ، ثم قام ، فصلّى حتى أصبح ، فلمّا أصبح أقام الصلاة ، فصلّيت معه ، فقال : رحمك اللّه ، دخلت بيتي بغير إذني ! قال : قلت : رحمك اللّه ، لم أرد إلّا الخير ، وقلت : رأيتك أتيت هذا الوعاء فأكلت منه طعاما ، وقد نظرت قبل ذلك فلم أر فيه شيئا ، وأتيت تلك الجرّة وشربت منها شرابا ، وقد نظرت قبل ذلك فلم أر فيها شيئا . قال : أجل ، ما من طعام أريده من طعام الناس إلّا أكلته من هذا الوعاء ، ولا شراب أريده من شراب الناس إلّا شربته من هذه الجرّة . قال : قلت : وإن أردت السّمك الطّريّ ؟ قال : وإن أردت السّمك الطّريّ . فقلت : رحمك اللّه ، إنّ هذه الأمّة لم تؤمر بالذي صنعت ، أمرت بالجماعة « 1 » والمساجد لفضل الصلوات في الجماعة وعيادة المريض ، واتّباع الجنائز . فقال : هاهنا قرية فيها كلّ ما ذكرت ، وأنا منتقل إليها . قال : فكاتبني حينا ثم انقطع عنّي كتابه ، فظننت أنّه مات . وكان عبد اللّه بن غالب لمّا مات وجد من قبره ريح المسك . رحمة اللّه عليهما ورضوانه . * * *
--> ( 1 ) في ( ب ) : « بالجوامع » .