مجد الدين ابن الأثير
331
المختار من مناقب الأخيار
من معصيته إلى طاعته ، ولكنّ حلمه وستره حملكم على معصيته . ثم أنشأ يقول : إن كنت تفهم ما أقول وتعقل * فارحل بنفسك قبل أن بك يرحل وذر التّشاغل بالذّنوب وخلّها * حتى متى وإلى متى تتعلّل * * * وقال بشر بن الحارث : استقبلني رجل في طريق الشام ، وعليه عباءة قد عقدها ، مستوفزا كأنّه وحشيّ . فقلت له : رحمك اللّه ، من أين جئت ؟ قال لي : جئت من عنده . فقلت : وإلى أين تريد ؟ قال : إليه . فقلت له : ففيم النّجاة رحمك اللّه ؟ قال : في التقوى والمراقبة لمن أنت له متّبع . قلت : فأوصني . قال : لا أراك تقبل . قلت : أرجو أن أقبل إن شاء اللّه . قال : فرّ منهم ، ولا تأنس بهم ، واستوحش من الدّنيا ؛ فإنّها تعرّضك للعطب . ثم قال : من عرف الدّنيا لم يطمئنّ إليها ، ومن أبصر ضررها أعدّ دواءها ، ومن عرف الآخرة ألحّ في طلبها ، ومن توهّمها اشتاق إلى ما فيها وهان عليه العمل . ثم قال : فكيف لو توهّمت من يملكها ، ومن زخرفها ، ومن قال لها كوني فكانت ، وتزيّني فتزيّنت ؟ فالشّوق إلى مالكها أولى بقلوب المشتاقين ، وأطيب لعيش المستأنسين . ثم قال : قد أنسوا بربّهم . فالأمر فيما بينهم وبينه سليم . صافوه بالعقول ، ودقّقوا به الفطن فسقاهم من كأس حبّه شربة ، فظلوا في عيشهم أروياء ، وفي ريّهم عطاشا . ثم قال : يا هذا أتفهم ما أقول وإلّا فلا تتبعني ؟ قلت : بلى رحمك اللّه ، إنّي أفهم جميع ما قلت . قال : الحمد للّه الذي فهّمك . قال : ورأيت في وجهه السّرور ثم قال : خذ إليك ، نعم ، هم الذين [ لا يملون كاساته من تحفه ، فالحكمة إلى قلوبهم سائلة متواصلة ؛ لأنّهم الأكياس الذين ] « 1 » لم تدنّسهم المطامع ، ولم
--> ( 1 ) ما بين معقوفين مستدرك من صفة الصفوة 4 / 358 .