مجد الدين ابن الأثير
317
المختار من مناقب الأخيار
عملي ، أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك ، وأعوذ بك من قلب لا يشتاق إليك ، وأعوذ بك من دعاء لا يصل إليك ، وأعوذ بك من عين لا تبكي عليك . فعلمت أنّه عارف . فقلت : يا فتى ، للعارفين مقامات ، وللمشتاقين علامات . قال : ما هي ؟ قلت : كتمان المصائب ، وصيانات الكرامات . فقال لي : عظني . فقلت : اذهب ، فلا ترد غيره ، ولا تردّ خيره ، ولا تبخل بشيئه « 1 » عنه . قال : زدني . قلت : اذهب فلا ترد الدنيا ، واتّخذ الفقر غنى ، والبلاء من اللّه ثناء « 2 » ، والتوكّل معاشا ، والجوع حرفة ، واتّخذ اللّه لكلّ شدّة عدّة . فصعق صعقة ، فتركته « 3 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال ذو النون : بينا أنا أسير في جبل اللّكّام مررت على واد كثير الأشجار والنبات ، فبينا أنا واقف أتعجّب من حسن زهرته ، ومن خضرة العشب في جنباته إذ سمعت صوتا أهطل مدامعي ، وهيّج بلابل « 4 » أحزاني ، فاتّبعت الصّوت حتى وقفني « 5 » بباب مغار في سفح الوادي ، فإذا الكلام يخرج من جوف المغار ، فاطّلعت فيه فإذا أنا برجل من أهل التعبّد والاجتهاد ، فسمعته يقول : سبحان من أمرج « 6 » قلوب المشتاقين في رياض الطاعة بين يديه ، سبحان من أوصل الفهم إلى عقول ذوي البصائر ، فهي
--> ( 1 ) في ( ب ) : « بشيء » . ( 2 ) في صفة الصفوة 4 / 340 : « شفاء » . ( 3 ) صفة الصفوة 4 / 340 . ( 4 ) البلابل : البرحاء في الصدر . معجم متن اللغة ( بلل ) . ( 5 ) في ( ب ) « وقف بي » . ( 6 ) أمرج سائمته : تركها تمرج حيث شاءت ، رعاها في المرج . وتحرفت في صفة الصفوة إلى أخرج .