مجد الدين ابن الأثير
303
المختار من مناقب الأخيار
القصر : أليس تعرفوني ؟ أشهدكم أنّ كلّ شيء لي في سبيل اللّه تعالى ، وكلّ مماليكي أحرار ، ثم اتّزر بإزار وارتدى برداء ، وتصدّق بالقصر ، وكلّ ما فيه . ولم يروا بعد ذلك له وجها ، ولا عرفوا له خبرا « 1 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * قال جعفر الخلديّ : حدّثني شيخ من أهل البصرة قال : وقف عليّ رجل فقير ، فقال : أعطني كذا وكذا دينارا وأكثر . فقلت له : هذا ما يمكنّي ، تريد أن أشتري لك شيئا تأكله ؟ أو تريد ثوبا أكسوك فتلبسه ؟ أو عليك دين أقضيه عنك ؟ قال : فتركني ومضى . فلمّا كان بعد أيّام جاءني ، وقال : أعطني كذا وكذا دينارا . فقلت له : عافاك اللّه ، ما يمكنّي ما تطلب ، تريد شيئا تأكل ؟ تريد شيئا تكتسي ؟ عليك دين أقضيه عنك ؟ قال : فتركني ومضى ، ثم عاودني « 2 » بعد أيام نوبة ثالثة فقال : أعطني كذا وكذا دينارا شيئا كثيرا . فقلت له ما يمكنّي . فقال لي : فتريد أنت شيئا ؟ قلت : نعم ، ولأيّ شيء قعدت هاهنا ؟ قال : فضرب بيده إلى زنبيل بين يدي « 3 » فملأ يديه منه ، ثم طرح في حجري دنانير ، ثم ملأها ثانية فطرحهما في حجري ، ثم ملأهما ثالثة فطرحهما في حجري دنانير . فأدهشني ما رأيت منه ، وعظم عليّ ما شاهدته ، ثم تركني ومضى ، وقد بقي عندي من تلك الدّنانير بقيّة . فعليك بصحبة الفقراء ؛ فإنّهم كنوز الدّنيا ، ومفاتيح الآخرة . * * *
--> ( 1 ) انظر روض الرياحين 206 ( الحكاية 125 ) . ( 2 ) في ( ب ) : « عاد إليّ » . ( 3 ) في ( ب ) : « يديه » .