مجد الدين ابن الأثير

286

المختار من مناقب الأخيار

في الجنة ، فرأيت قائلا يقول : يا عبد الواحد ، رفيقك « 1 » في الجنّة ميمونة السّوداء . فقلت : وأين هي ؟ قال : في آل فلان بالكوفة . فخرجت إلى الكوفة ، فسألت عنها ، فقيل : هي مجنونة بين ظهرانينا ، ترعى غنيمات لنا . فقلت : أريد أراها . قالوا : اخرج إلى الجبّان . فخرجت ، فإذا بها قائمة تصلّي ، وإذا بين يديها عكّازة لها ، فإذا عليها جبّة من صوف ، عليها مكتوب : لاتباع ولا تشترى ، وإذا الغنم مع الذئاب ، فلا الذئاب تأكل الغنم ، ولا الغنم تخاف الذئاب . فلمّا رأتني أوجزت في صلاتها ، ثم قالت : ارجع يا ابن زيد ليس الموعد هاهنا ، إنما الموعد ثمّ . فقلت لها : رحمك اللّه ، وما يعلمك أنّي ابن زيد ؟ فقالت : أما علمت أنّ « الأرواح جنود مجنّدة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » « 2 » ؟ فقلت لها : عظيني . فقالت : وا عجبا لواعظ يوعظ ! ثم قالت : يا ابن زيد ، إنّك لو وضعت معايير القسط على جوارحك لخبّرتك بمكتوم مكنون ما فيها ؛ يا ابن زيد ، بلغني أنّه ما من عبد أعطي من الدّنيا شيئا فابتغى إليه ثانيا إلّا سلبه اللّه حبّ الخلوة معه ، وبدّله بعد القرب البعد ، وبعد الأنس الوحشة ، ثمّ أنشأت تقول : يا واعظا قام لاحتساب * يزجر قوما عن الذّنوب تنهى وأنت السّقيم حقّا * هذا من المنكر العجيب لو كنت أصلحت قبل هذا * عيبك أو تبت من قريب كان لما قلت يا حبيبي * موقع صدق من القلوب تنهى عن الغيّ والتمادي * وأنت في النّهي كالمريب فقلت لها : إنّي أرى هذه الذّئاب مع الغنم ، فلا الغنم تفزع من الذّئاب

--> ( 1 ) في ( ب ) : « رفيقتي . . . فرأيت كأنّ قائلا . . . رفيقتك » . ( 2 ) رواه مسلم ( 2638 ) في البر والصلة : باب الأرواح جنود مجندة ؛ وأبو داود ( 4834 ) في الأدب : باب من يؤمر أن يجالس .