مجد الدين ابن الأثير
274
المختار من مناقب الأخيار
فبكت ثم قالت : ربّما اشتهيت أن أنام فلا أقدر عليه ، فكيف ينام - أو كيف يقدر على النّوم - من لا ينام عنه حافظاه ليلا ولا نهارا ؟ فأبكتني واللّه . فقلت في نفسي : أراني في شيء وأراك في شيء « 1 » . وقال يحيى بن بسطام : دخلت مع نفر من أصحابنا على عفيرة ، وكانت قد تعبّدت وبكت حتى عميت . فقال بعض أصحابنا لرجل إلى جنبه : ما أشدّ العمى على من كان بصيرا ! فسمعت عفيرة فقالت له : يا عبد اللّه ، عمى القلب - واللّه - عن اللّه أشدّ من عمى العين عن الدّنيا . واللّه لوددت أنّ اللّه وهب لي كنه محبّته ، وأنّه لم تبق منّي جارحة إلّا أخذها « 1 » . وقال محمد بن عبيد : دخلنا على امرأة بالبصرة يقال لها عفيرة ، فقيل لها : ادعي اللّه لنا . فقالت : لو خرس الخاطئون ما تكلّمت عجوزكم ، ولكنّ المحسن أمر المسئ بالدّعاء ، جعل اللّه قراكم من بيتي [ دخول ] الجنّة ، وجعل الموت منّي ومنكم على بال « 2 » . وقال مالك بن ضيغم : سمعت عفيرة تقول : عصيتك بكلّ جارحة منّي على حدتها ، واللّه لئن أعنت لأطيعنّك ما استطعت بكلّ جارحة عصيتك بها . وقال سعيد العمّيّ : قلت لعفيرة : أما تسأمين من طول البكاء ؟ فبكت ، ثم قالت : يا بني ، كيف يسأم ذو داء من شيء يرجو أنّ له فيه من دائه شفاء ؟ ثم بكت ، فخرجت وتركتها . وقال يحيى بن راشد : كنّا عند عفيرة فقدم ابن أخ لها كانت طالت غيبته ، فبشّرت به فبكت ، فقيل لها : ما هذا البكاء ؟ واليوم يوم فرح وسرور . فازدادت بكاء ثم قالت : واللّه ما أجد للسّرور في قلبي مسكنا مع ذكر الآخرة ، ولقد أذكرني قدومه يوم القدوم على اللّه ، فمن بين مسرور ومثبور ، ثم غشي عليها . رحمة اللّه عليها ورضوانه .
--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 33 . ( 2 ) الكواكب الدرية 1 / 392 وما بين معقوفين مستدرك منه .