مجد الدين ابن الأثير

265

المختار من مناقب الأخيار

قال مالك بن ضيغم : وقال لي أبي يوما : انطلق مع منبوذ حتى تأتي هذه المرأة الصالحة فتنظر إليها - يعني شعوانة - قال : فانطلقت أنا وأبو همّام إلى الأبلّة ثم غدونا عليها ، فدخلنا فسلّم عليها منبوذ ، وقال : هذا ابن أخيك ضيغم . فرحّبت بي وتحفّت ، وقالت : مرحبا بابن من لم نره ونحن نحبّه . أما واللّه يا بنيّ ، إنّي لمشتاقة إلى أبيك ، وما يمنعني من إتيانه إلّا أنّي أخاف أن أشغله عن خدمة سيّده ، فخدمة سيّده أولى به من محادثة شعوانة ، ثم قالت : ومن شعوانة ؟ وما شعوانة ؟ أمة سوداء عاصية . ثم أخذت في البكاء ، فلم تزل تبكي حتى خرجنا ، وتركناها . وقال يحيى بن بسطام : كنت أشهد مجلس شعوانة كثيرا ، فكنت أرى ما تصنع بنفسها ، فقلت لصاحب لي يقال له عمران بن مسلم : لو أتيناها إذا خلت . فانطلقت أنا وهو إلى الأبلّة ، فاستأذنّا عليها ، فأذنت لنا ، فإذا منزل رثّ الهيئة ، أثر الجدب عليه بيّن . فقال لها صاحبي : لو رفقت بنفسك ، فقصّرت عن هذا البكاء شيئا كان أقوى لك على ما تريدين . فبكت ، ثم قالت : واللّه لوددت أنّي أبكي حتى تنفد دموعي ، ثم أبكي الدّماء حتى لا يبقى في جسدي جارحة فيها قطرة من دم ، وأنّى لي بالبكاء ؟ فلم تزل تردّد ذلك حتى انقلبت حدقتاها ، ثم مالت ساقطة مغشيّا عليها ، فخرجنا وتركناها على تلك الحال . وقال مضر : ما رأيت أحدا أقوى على كثرة البكاء من شعوانة ، ولا سمعت صوتا قطّ أحرق لقلوب الخائفين من صوتها إذا هي نشجت ، ثم نادت : يا موتى وبني الموتى ، وإخوة الموتى . وقال محمد بن الحسين : قلت لأبي عمرو الضّرير : أتيت شعوانة ؟ قال : قد شهدت مجلسها مرارا ، ما كنت أفهم ما تقول من كثرة بكائها . قلت : فهل تحفظ من كلامها شيئا ؟ قال : ما حفظت من كلامها شيئا أذكره الساعة إلّا شيئا واحدا . قلت : ما هو ؟ قال : سمعتها تقول : من استطاع