مجد الدين ابن الأثير

262

المختار من مناقب الأخيار

( 557 ) زهراء الوالهة « * » قال ذو النون المصري : بينا أنا في بعض أودية بيت المقدس ، إذ سمعت صوتا يقول : يا ذا الأيادي التي لا تحصى ، ويا ذا الجود والبقاء ، متّع بصر قلبي بالجولان في بساتين جبروتك ، فاجعل همّتي متّصلة بجود لطفك يا لطيف ، وأعذني من مسالك المتحيّرين بجلال بهائك يا رؤوف ، واجعلني لك في الحالات خادما وطالبا ، وكن لي يا منوّر قلبي وغاية طلبي في الفضل صاحبا . قال ذو النون : فطلبت الصّوت حتى ظهر ، فإذا امرأة كأنّها العود المحترق ، وعليها درع من الصّوف ، وخمار من الشعر أسود ، قد أفناها الجهد ، وأضناها الكمد ، وذوّبها الحبّ ، وقتلها الوجد . فقلت لها : السلام عليك . فقالت : وعليك السلام يا ذا النون . فقلت : لا إله إلّا اللّه ، كيف عرفت اسمي ولم تريني ؟ قالت : كشف عن سرّي الحبيب ، فرفع لقلبي حجاب العمى ، فعرّفني اسمك . فقلت : ارجعي إلى مناجاتك . فقالت : أسألك يا ذا البهاء ، أن تصرف عنّي شرّ ما أجد ، فقد استوحشت من الحياة . ثم خرّت ميتة . فبقيت متحيّرا متفكّرا . فأقبلت عجوز كالوالهة ، فنظرت إليها ، ثم قالت : الحمد للّه الذي أكرمها . فقلت : من هذه ؟ فقالت : ألم تسمع بزهراء الوالهة ؟ هذه ابنتي توهّم الناس منذ عشرين سنة أنّها مجنونة ، وإنّما قتلها الشّوق إلى ربّها . رحمة اللّه عليها ورضوانه .

--> ( * ) ترجمتها في : صفة الصفوة 4 / 353 ، روض الرياحين 112 ( الحكاية 40 ) ، الكواكب الدرية 1 / 616 .