مجد الدين ابن الأثير

254

المختار من مناقب الأخيار

ثمانين سنة كأنّها الشّنّ « 1 » تكاد تسقط ، ورأيت في بيتها كراخة « 2 » بواري ، ومشجب قصب فارسيّ ، طوله من الأرض قدر ذراعين ، وستر البيت جلة « 3 » وربما كانت بوريّ ، وحبّ « 4 » ، وكوز ، ولبد هو فراشها وهو مصلّاها ، وكان لها مشجب من قصب عليه أكفانها . وكانت إذا ذكرت الموت انتفضت وأصابها رعدة . وإذا مرّت بقوم عرفوا فيها العبادة « 5 » . وقال لها رجل : ادعي لي . فالتصقت بالحائط ، وقالت : من أنا يرحمك اللّه ؟ أطع ربّك وادعه ، فإنّه يجيب المضطرّين « 5 » . وقال سجف بن منظور : دخلت على رابعة وهي ساجدة ، فلمّا أحسّت بمكاني رفعت رأسها ، فإذا موضع سجودها كهيئة الماء المستنقع من دموعها ، فأقبلت عليّ فقالت : يا بني ، ألك حاجة ؟ فقلت : جئتك لأسلّم عليك . فبكت وقالت : سترك اللّهمّ ، سترك . ودعت بدعوات ، ثم قامت إلى الصلاة ، وانصرفت « 5 » . وقال العباس بن الوليد : قالت رابعة : أستغفر اللّه من قلّة صدقي في قولي ، أستغفر اللّه « 5 » . وقال أزهر بن مروان : دخل على رابعة رياح القيسيّ ، وصالح بن عبد الجليل ، وكلاب ، فتذاكروا الدّنيا ، فأقبلوا يذمّونها ، فقالت رابعة : إنّي لأرى الدّنيا بترابيعها في قلوبكم . قالوا : ومن أين توهّمت علينا ؟ قالت : إنّكم نظرتم إلى أقرب الأشياء من قلوبكم ، فتكلّمتم فيه « 6 » .

--> ( 1 ) الشّنّ : القربة الخلق الصغيرة . القاموس ( شنن ) . ( 2 ) الكراخة : الشقة من البواري . والبواري تقدم التعريف به . متن اللغة ( كرخ ، بور ) . ( 3 ) في صفة الصفوة : « جلد » . ( 4 ) الحبّ : الجرّة ، أو الضخمة منها . القاموس ( حبب ) . ( 5 ) صفة الصفوة 4 / 28 . ( 6 ) صفة الصفوة 4 / 28 - 29 .