مجد الدين ابن الأثير

250

المختار من مناقب الأخيار

( 550 ) جارية خالد الورّاق « * » قال خالد : كانت لي جارية شديدة الاجتهاد ، فدخلت عليها يوما فأخبرتها بشيء من رفق اللّه وقبوله يسير العمل ، فبكت ثم قالت : يا خالد ، إنّي لآمل من اللّه آمالا لو حملتها الجبال لأشفقت من حملها ، كما ضعفت عن حمل الأمانة « 1 » ، وإنّي لأعلم أنّ في كرم اللّه مستغاثا لكلّ مذنب ، ولكن كيف لي بحسرة السّباق ؟ قلت : وما حسرة السّباق ؟ قالت : غداة الحشر إذا بعثر ما في القبور ، وركب الأبرار نجائب الأعمال ، فاستبقوا إلى الصّراط ، وعزّة سيّدي لا يسبق « 2 » مقصّر مجتهدا أبدا ، ولو حبا المجدّ حبوا . أم كيف لي بموت الحزن والكمد ؟ إذا رأيت القوم يتراكضون ، وقد رفعت أعلام المحسنين ، وجاز الصّراط المشتاقون ، ووصل إلى اللّه المحبّون ، وخلّفت مع المسيئين المذنبين . ثم بكت ، وقالت : يا خالد ، انظر لا يقطعك قاطع عن سرعة المبادرة بالأعمال ؛ فإنّه ليس بين الدّارين دار يدرك فيها الخدّام ما فاتهم من الخدمة ، فويل للمقصّر عن خدمة سيّده ومعه الآمال ، فهلّا كانت الآمال توقظه إذا نام البطّالون ؟ رحمة اللّه عليها ورضوانه . * * *

--> ( * ) ترجمتها في : صفة الصفوة 4 / 46 . ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [ الأحزاب : 72 ] . ( 2 ) في الأصل : « سبق » والمثبت من صفة الصفوة .