مجد الدين ابن الأثير
247
المختار من مناقب الأخيار
في كلّ سنة ممّا يستفضله من ثمن الخوص الذي يسفّه « 1 » ويبيعه ، فأخبرني ابن الرّوّاس التمّار - وكان جاره - قال : جئت أودّعه في الحجّ ، وأستعرض حاجته ، وأسأله أن يدعو لي . فسلّم إليّ قرطاسا ، وقال : تسأل بمكّة في الموضع الفلاني عن فلانة ، وتسلّم هذا إليها . فعلمت أنّها ابنته ، فأخذت القرطاس وجئت فسألت عنها ، فوجدتها بالعبادة أشدّ اشتهارا من أن تخفى ، فتتبعت « 2 » نفسي أن يصل إليها من مالي شيء يكون لي ثوابه ، وعلمت أنّي إن دفعت إليها ذلك لم تأخذه ، ففتحت القرطاس ، وجعلت الثلاثين خمسين ، ورددته كما كان ، وسلّمته إليها ، فقالت : أيّ شيء خبر أبي ؟ قلت : سلامة . فقالت : قد خالط أهل الدنيا ، وترك الانقطاع إلى اللّه تعالى ؟ فقلت : لا . فقالت : أسألك باللّه ، وبمن حججت إليه « * » إذا سألتك « * » « 3 » عن شيء فتصدقني ؟ فقلت : نعم . فقالت : خلطت بهذه الدراهم شيئا من عندك ؟ فقلت : نعم ، فمن أين علمت بهذا ؟ فقالت : ما كان أبي يزيدني على الثلاثين شيئا ؛ لأنّ حاله لا يحتمل أكثر منها ، إلّا أن يكون ترك العبادة ، فلو أخبرتني بذلك ما أخذت منه أيضا شيئا . ثم قالت : خذ الجميع ؛ فقد عققتني من حيث قدّرت أنّك تبرّني . فقلت : ولم ؟ قالت : لا آكل شيئا ليس هو من كسبي ولا كسب أبي ، ولا آخذ من مال لا أعرف كيف هو شيئا . فقلت : خذي منها ثلاثين كما أنفذ إليك أبوك ، وردّي الباقي . فقالت : لو عرفتها بعينها لأخذتها ، ولكن قد اختلطت بما لا أعرف جهته ، فلا آخذ منها شيئا ، وأنا الآن أقتات إلى الموسم الآخر من المزابل ؛ لأنّ هذه كانت قوتي طول السنة ، فقد أجعتني ، ولولا أنّك ما قصدت أذاي لدعوت عليك . قال : فاغتممت ، وعدت إلى البصرة وجئت إلى أبي الحسن فأخبرته ، واعتذرت
--> ( 1 ) السّفّ : النّسج . وفي ( ب ) : « يشقه » . ( 2 ) في المنتظم 6 / 361 : « فطمعت » . ( 3 ) ما بينهما ليس في ( أ ) . ( * ) ما بينهما ليس في ( أ ) .