مجد الدين ابن الأثير
202
المختار من مناقب الأخيار
قال عثمان بن القاسم : خرجت أمّ أيمن مهاجرة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، وهي ماشية ليس معها زاد ، وهي صائمة في يوم شديد الحرّ ، فأصابها عطش شديد حتى كادت تموت من شدّة العطش ، وهي بالرّوحاء ، أو قريبا منها ، فلمّا غابت الشّمس ، قالت : إذا أنا بحفيف شيء فوق رأسي ، وإذا أنا بدلو من السماء مدلّى برشاء « 1 » أبيض ، قالت : فدنا منّي حتى إذا كان حيث أستمكن « * » منه تناولته ، فشربت منه حتى رويت . قالت : فلقد كنت بعد ذلك في اليوم الحارّ أطوف في الشمس « * » « 2 » كي أعطش ، وما عطشت بعدها « 3 » . وقال أنس : ذهبت مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم إلى أمّ أيمن نزورها ، فقرّبت له طعاما ، أو شرابا ، فإمّا كان صائما ، وإمّا لم يرده ، فجعلت تخاصمه - أي كل - فلمّا توفّي النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قال أبو بكر لعمر : مرّ بنا إلى أمّ أيمن نزورها كما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يزورها ، فلمّا رأتهما بكت ، فقالا لها : ما يبكيك ؟ فقالت : ما أبكي إنّي لأعلم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد صار إلى خير ممّا كان فيه ، ولكنّي أبكي لخبر السماء انقطع عنّا . فهيّجتهما على البكاء ، فجعلا يبكيان معها « 4 » . وقالت أمّ أيمن : بات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في البيت ، فقام من الليل ، فبال في فخّارة ، فقمت وأنا عطشى لم أشعر ما في الفخّارة ، فشربت ما فيها ، فلمّا أصبحنا قال لي : « يا أمّ أيمن ، أهريقي ما في الفخّارة » . قلت : والذي بعثك بالحقّ شربت ما فيها . فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، ثم قال :
--> ( 1 ) الرشاء : الحبل . ( 2 ) ما بينهما ليس في ( أ ) . ( * ) ما بينهما ليس في ( أ ) . ( 3 ) طبقات ابن سعد 8 / 224 ، حلية الأولياء 2 / 67 . ( 4 ) رواه مسلم ( 2453 و 2454 ) في فضائل الصحابة : باب من فضائل أم أيمن ؛ وأبو نعيم في الحلية 2 / 68 ، واللفظ له .