مجد الدين ابن الأثير
160
المختار من مناقب الأخيار
وقال : أيّها المتفرّد في حفرته ، المتخلّي في القبر بوحدته ، المستأنس في بطن الأرض بأعماله ، ليت شعري ؛ بأيّ أعمالك استبشرت ؟ ! وبأيّ إخوانك اغتبطت ؟ ! ثم يبكي حتى تبتلّ عمامته ويقول : استبشر واللّه بأعماله الصالحة ، واغتبط واللّه بإخوانه المتعاونين على طاعة اللّه « 1 » . وقال دهيم العجلي : لقيت يزيد الرّقاشيّ فقلت : كيف أصبحت رحمك اللّه ؟ قال : كيف يصبح من تعدّ عليه أنفاسه ، ويحصى لانقضاء أجله ؟ لا يدري على خير يقدم أم على شرّ ؟ ثم ذرفت عيناه « 2 » . وقال : انظروا إلى هذه القبور سطورا بأفناء الدّور ، تدانوا في خططهم ، وقربوا في مزارهم ، وبعدوا في لقائهم ، سكنوا فأوحشوا ، وعمروا فأخربوا ، فمن سامع بساكن موحش ، وعامر مخرّب غير أهل القبور ؟ « 3 » . وقال : خمس يقبحن « 4 » من خمس : الحرص من القرّاء ، والعجلة من الأمراء ، والفحش من ذوي الشّرف ، والبخل من ذوي المال ، والفتوّة من ذوي الأسنان « 5 » . وقال حوشب بن عقيل : سمعت يزيد الرّقاشيّ يقول لما حضره الموت : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ آل عمران : 185 ] ، ألا إنّ الأعمال محضرة ، والأجور مكملة ، ولكلّ ساع ما سعى ، وغاية الدّنيا وأهلها إلى الموت . ثم بكى وقال : يا من القبر مسكنه ، وبين يدي اللّه موقفه ، والنار غدا مورده ، ما ذا قدّمت لنفسك ؟ ما ذا
--> ( 1 ) تهذيب الكمال 32 / 73 . ( 2 ) مختصر تاريخ دمشق 27 / 314 . ( 3 ) مختصر تاريخ دمشق 27 / 314 ، تهذيب الكمال 32 / 74 ، 75 . ( 4 ) في تهذيب الكمال : « يفتحن » . ( 5 ) في ( أ ) : « الأنساب » والخبر في مختصر تاريخ دمشق 27 / 314 ، تهذيب الكمال 32 / 75 .