مجد الدين ابن الأثير
130
المختار من مناقب الأخيار
فعرف ما في وجهي ، وما في نفسي ، فقال : « أبا هرّ » . فقلت : لبيك يا رسول اللّه . فقال : « الحق » فتبعته ، ودخل ، واستأذنت ، فأذن لي ، فوجد لبنا في قدح ، فقال : « من أين لكم هذا اللّبن ؟ » . فقالوا : أهداه إلينا فلان ، أو آل فلان . قال : « أبا هرّ » . قلت : لبّيك يا رسول اللّه . قال : « انطلق إلى أهل الصّفّة فادعهم » « 1 » . قال : وأهل الصّفّة أضياف الإسلام ، لم يأووا إلى أهل ولا مال ، إذا جاءت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هديّة أصاب منها ، وبعث إليهم منها . وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ، ولم يصب منها ، فأحزنني ذلك ، وكنت أرجو أن أصيب من اللّبن شربة أتقوّى بها بقيّة يومي وليلتي ، وقلت : أنا الرّسول ، فإذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم ، فما يبقي لي من هذا اللبن ؟ ولم يكن بدّ من طاعة اللّه ، وطاعة رسوله ، فانطلقت فدعوتهم ، فأقبلوا ، فاستأذنوا ، فأذن لهم ، فأخذوا مجالسهم من البيت ، فقال : « أبا هرّ » . فقلت : لبّيك يا رسول اللّه . قال : « خذ ، وأعطهم » . فأخذت القدح ، فجعلت أعطيه الرّجل ، فيشرب حتى يروى ، ثم يردّ عليّ القدح ، فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى ، ثم يردّ عليّ القدح ، حتى أتيت على آخرهم ، فانتهيت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، فأخذ القدح ، فوضعه على يده ، وقد بقي فيه فضلة ، فنظر إليّ وتبسّم ، فقال : « أبا هرّ » . قلت : لبّيك يا رسول اللّه . قال : « بقيت أنا وأنت » . قلت : صدقت يا رسول اللّه . قال : « اقعد فاشرب » . فقعدت فشربت ، فقال : « اشرب » . فشربت ، فما زال يقول : « اشرب » وأشرب حتى قلت : لا والذي بعثك بالحقّ ، لا أجد له مسلكا . قال : « فأرني » فأعطيته القدح ، فحمد اللّه وسمّى ، وشرب الفضلة « 2 » .
--> ( 1 ) جاء في ( ب ) : وفي نسخة : فأعلمهم . ( 2 ) أخرجه البخاري 11 / 281 ( 6452 ) في الرقاق : باب كيف كان عيش النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، وتخليهم عن الدنيا ؛ وأحمد 2 / 515 ، والترمذي 4 / 648 ( 2477 ) في صفة القيامة : باب ( 36 ) . وفي مختصر تاريخ دمشق 29 / 182 . وما بين معقوفين مستدرك من مسند الإمام أحمد .