مجد الدين ابن الأثير

105

المختار من مناقب الأخيار

( 491 ) نمير المجنون « * » قال محمد بن عبد اللّه بن نمير : كان لي ابن أخت سمّته أختي باسم أبي نمير ، وكان من نسّاك أهل الكوفة ، قد سمع سماعا حسنا . وكان حسن الطّهور ، حسن الصلاة ، يراعي الشمس للزّوال ، فعرض له ، فذهب عقله ، فكان لا يؤويه سقف بيت ، إذا كان النهار فهو في الجبّانة ، وإذا كان الليل ففي السّطح قائما على رجليه في البرد والمطر والرّيح ، فنزل يوما بكرة يريد المقابر ، فقلت : يا نمير ، تنام ؟ قال : لا . قلت : ما العلّة التي تمنعك من النّوم ؟ قال : هذا البلاء الذي تراه . فقلت : يا نمير ، أما تخاف اللّه عزّ وجلّ [ تقول البلاء ] ؟ قال : بلى . وقال : أليس يقال : « أشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل » « 1 » . فقلت له : أنت أعلم منّي ؟ قال : كلّا ، ومضى « 2 » . قال : وصعدت إليه مرّة في ليلة باردة ، وهو قائم في السّطح ، وأمّه قائمة تبكي ، فقلت : يا نمير ، بقي منك شيء لم تنكره ؟ قال : نعم . قلت ما هو ؟ قال : حبّ اللّه عزّ وجلّ ، وحبّ رسوله صلّى اللّه عليه وسلم .

--> - لي أن أقرأ شيئا من القرآن ؟ قال : نعم . فقرأ : وممّن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل العراق . فقال الإمام مالك : وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ [ التوبة : 101 ] . فقال : كيف تقول عن أهل العراق ؟ ثم قام من مجلسه ، فسأل عنه ، فقيل هذا أبو حنيفة . فلحقه ، وأكرمه رضي اللّه عنهما . ( * ) ترجمته في : عقلاء المجانين 99 ، صفة الصفوة 3 / 186 . ( 1 ) حديث صحيح رواه أحمد 1 / 185 والحاكم 1 / 41 ، وابن ماجة في الفتن ( 4023 ) ، والترمذي في الزهد ( 2398 ) ؛ والدارمي في الرقاق 2 / 320 ، والبزار ( 1154 ) ؛ وأبو يعلى ( 830 ) ؛ وابن حبان ( 2901 ) عن سعد بن أبي وقّاص بلفظ : قلت : يا رسول اللّه ، أيّ الناس أشدّ بلاء ؟ قال : « الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل . . . ( 2 ) عقلاء المجانين 100 وما بين معقوفين مستدرك منه ، وصفة الصفوة 3 / 186 .