مجد الدين ابن الأثير

103

المختار من مناقب الأخيار

ثم رزق العافية ، وخرج من العلّة ، فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة ، فارتفعت نفسه ، وانصرفت وجوه الناس إليه ، فعقد لنفسه مجلسا في الفقه وقصرهم « 1 » عن لزوم مجلس أبي حنيفة . فسأل عنه ، فأخبر أنّه قد عقد لنفسه مجلسا ، وأنّه بلغه كلامك فيه . فدعا رجلا كان له عنده قدر فقال : صر إلى مجلس يعقوب ، فقل له : ما تقول في رجل دفع إلى قصّار ثوبا ليقصره بدرهم ، فصار إليه بعد أيام في طلب الثّوب فقال له القصّار : مالك عندي شيء . وأنكره ، ثم إنّ ربّ الثّوب رجع إليه ، فدفع إليه ثوبا مقصورا ، أله الأجرة ؟ فإن قال : له أجرة فقل : أخطأت ؛ وإن قال : لا أجرة له ، فقل أخطأت ، فصار إليه فسأله ، فقال أبو يوسف : له أجرة . فقال : أخطأت . فنظر ساعة ثم قال : لا أجرة له . فقال : أخطأت . فقام أبو يوسف من ساعته ، وأتى أبا حنيفة . فقال : ما جاء بك إلّا مسألة القصّار . قال : أجل . قال : سبحان اللّه ، من قعد يفتي الناس ، وعقد مجلسا يتكلّم في دين اللّه ، وهذا قدره ، لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات . فقال : يا أبا حنيفة ، علّمني . فقال : إن كان قصره بعد ما غصبه فلا أجرة له ؛ لأنّه قصره لنفسه ، وإن كان قصره قبل أن يغصبه فله الأجرة ، لأنّه قصره لصاحبه . ثم قال : من ظنّ أنّه يستغني عن التعلّم فليبك على نفسه . وقال الحسن بن زياد اللؤلؤئيّ : كانت هاهنا امرأة مجنونة يقال لها أمّ عمران ، وكانت جالسة في الكناسة ، فمرّ بها رجل ، وكلّمها بشيء . فقالت له : يا ابن الزانيين . وابن أبي ليلى حاضر يسمع ذلك . فقال للرّجل : أدخلها عليّ المسجد . فأقام عليها حدّين حدّا لأبيه وحدّا لأمّه . فبلغ ذلك أبا حنيفة ، فقال : أخطأ فيها في ستّة مواضع : أقام الحدّ في المسجد ، ولا تقام الحدود في المسجد . وضربها قائمة ، والنساء يضربن قعودا ، وضرب لأبيه حدّا ولأمّه حدّا ، ولو أنّ رجلا قذف جماعة كان عليه حدّ واحد ؛ وجمع

--> ( 1 ) في تاريخ بغداد : « وقصر » .