مجد الدين ابن الأثير
100
المختار من مناقب الأخيار
وقال أبو سعيد الكندي : كان أبو حنيفة يبيع الخزّ ، فجاءه رجل ، فقال : يا أبا حنيفة ، قد احتجت إلى ثوب خزّ . فقال : ما لونه ؟ قال : كذا وكذا . فقال له : اصبر حتى يقع وآخذه لك إن شاء اللّه . قال : فما دارت الجمعة حتى وقع ، فمرّ به الرجل ، فقال أبو حنيفة : قد وقعت حاجتك . فأخرج إليه الثوب ، فأعجبه ، فقال : كم أزن ؟ قال : درهما . قال : يا أبا حنيفة ، ما كنت أظنّك تهزأ . قال : ما هزأت ، إنّي اشتريت ثوبين بعشرين دينارا ودرهم ، وإنّي بعت أحدهما بعشرين دينارا ، وبقي هذا بدرهم ، وما كنت لأربح على صديق « 1 » . وقال ابن المبارك : قلت لسفيان الثوريّ : يا أبا عبد اللّه ، ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة ، ما سمعته يغتاب عدوّا له قطّ . قال : هو واللّه أعقل من أن يسلّط على حسناته ما يذهب بها « 2 » . وقال خارجة بن مصعب : لقيت ألفا من العلماء فوجدت العاقل فيهم ثلاثة أو أربعة ، فذكر أبا حنيفة فيهم « 3 » . وقال يزيد بن هارون : أدركت الناس ، فما رأيت أحدا أعقل ولا أفضل ولا أورع من أبي حنيفة « 3 » . وقال أبو يوسف : دعا المنصور أبا حنيفة ، فقال الربيع - وكان يعادي أبا حنيفة - : يا أمير المؤمنين ، هذا يخالف جدّك ، كان عبد اللّه بن عباس يقول : إذا حلف على اليمين ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء . وقال أبو حنيفة : لا يجوز الاستثناء إلّا متّصلا باليمين . فقال أبو حنيفة : يا أمير المؤمنين ، إنّ الرّبيع يزعم أنّه ليس لك في رقاب جندك بيعة . قال : وكيف ؟ قال : يحلفون لكم ، ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون ،
--> ( 1 ) تاريخ بغداد 13 / 362 . ( 2 ) تاريخ بغداد 13 / 363 . ( 3 ) تاريخ بغداد 13 / 364 .