مجد الدين ابن الأثير

5

المختار من مناقب الأخيار

الذين اصطفاهم لعبادته ، واختارهم لقربه من الصحابة والتابعين ، وتابعيهم ، ومن بعدهم من أئمة الهدى وأعلام الدين ، ورؤوس المجتهدين ، الذين رفضوا الدنيا مع القدرة عليها ، وتركوها مع التمكّن منها والوصول إليها ، وزهدوا فيها أنفة منها واستحقارا ، وشنفوها « 1 » رغبة عنها واستكبارا ، ورأوها بالعين اليقظى فهجروها إعلانا وإسرارا « 2 » وتركوها للّه للأشرف الأحظى إعظاما وإكبارا ، فرأيتها - بحمد اللّه تعالى - أحسن أخبار وأجمل آثار ، تدلّ على شرف أقدار ، وعظم أخطار ، وتهدي سامعها إلى الطريق الأرشد ، وتقف به على الفعل الأحمد ، وتوصل العارف « 3 » بها إلى الجناب الأسعد ، وتحلّه في العيش الأرغد . وكان العلماء وأئمة الدين - أحسن اللّه إليهم كما أحسن بهم إلينا ، وبارك فيهم وعليهم كما بارك بهم فينا وعلينا - قد جمعوا من أخبارهم وآثارهم كل جميلة ، ودوّنوا من أقوالهم وأفعالهم كلّ فضيلة ، وأودعوها كتبا صنّفوها في مناقبهم ، ومجاميع ألّفوها على مراتبهم ، فكلّ منهم سلك « 4 » أسلوبا أدّاه إليه نظره ؛ فمنهم من أطال « 5 » ، وذكر غثّا وسمينا « 6 » ، وأكثر فأورد متيقّنا ومظنونا ؛ ومنهم من اختصر فحذف حسنا جميلا ، واقتصر فترك « 7 » كثيرا وذكر قليلا ، على حسب الغرض الداعي كلّا منهم إلى ما اختاره ؛ وبمقتضى الهوى الباعث له على ما أراده « 8 » ، فأردت أن أختار ما جمعوه طرفا من آثارهم وأخبارهم مجرّدا من الإسناد ، مقتصرا في ذلك

--> ( 1 ) شنفوها : أبغضوها . اللسان ومعجم متن اللغة ( شنف ) . ( 2 ) في ( أ ) : « إسرارا وإعلانا » ، والمثبت من ( ل ) . ( 3 ) في ( أ ) : « العامل » والمثبت من ( ل ) . ( 4 ) في ( أ ) : « سلكوا » ، والمثبت من ( ل ) . ( 5 ) قوله : « أداه . . . من أطال » ليس في ( ل ) وفيه بخط مغاير ما نصه : « جامعا لمناقبهم » . ( 6 ) في ( أ ) : « وثمينا » ، والمثبت من ( ل ) . ( 7 ) عبارة ( ل ) هكذا : « فحذف ضعيفا ، فترك . . . » . ( 8 ) قوله : « الباعث له على ما أراده » ليس في ( ل ) .