مجد الدين ابن الأثير
460
المختار من مناقب الأخيار
وقال عمر ابن أخت بشر : سمعت خالي بشرا يقول لأمي : جوفي وجع ، وخواصري تضرب عليّ . فقالت له أمي : ائذن لي حتى أصلح لك قليل حساء بكفّ دقيق عندي تتحسّاه يرمّ جوفك « 1 » . فقال لها : ويحك ، أخاف أن يقول لي : من أين لك هذا الدقيق ؟ فلا أدري أيّ شيء أقول له . فبكت أمّي وبكى معها وبكيت معهم « 2 » . قال عمر : ورأت أمّي ليلة ما به من شدّة الجوع ، وجعل يتنفّس نفسا ضعيفا ، فقالت له : يا أخي ! ليت أمّك لم تلدني ، فقد واللّه تقطّع كبدي مما أرى بك . فسمعته يقول لها : وأنا فليت أمّك لم تلدني ، وإذ قد ولدتني لم يدرّ لها ثدي عليّ . قال : وكانت أمي تبكي عليه الليل والنهار « 3 » . وقال رجل لبشر : ما لي أراك مغموما ؟ قال : ما لي لا أكون مغموما وأنا رجل مطلوب « 4 » . وقال بشر : ربما رفعت يدي في الدعاء ، فأردّها أقول : إنما يفعل هذا من له عنده وجه « 3 » . وقال الفتح : كنت جالسا عند بشر إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة ، فأطرق مليّا ثم رفع رأسه ، ثم أطرق ثم رفع رأسه ، ثم قال : اللهمّ إنك تعلم أني أخاف أن أتكلّم ، اللهمّ إنك تعلم أني أخاف أن أسكت ، اللهم إنك تعلم أني أخاف أن تأخذني فيما بين السكوت والكلام « 5 » . وقالت زبدة أخت بشر : دخل عليّ بشر ليلة من الليالي ، فوضع إحدى رجليه داخل الدار ، وإحدى رجليه خارج الدار ، وبقي كذلك يتفكّر حتى
--> ( 1 ) يرمّ جوفك : يصلحه . القاموس ( رمم ) . ( 2 ) صفة الصفوة 2 / 329 ، 330 . ( 3 ) صفة الصفوة 2 / 330 . ( 4 ) تاريخ ابن عساكر 10 / 68 . ( 5 ) صفة الصفوة 2 / 330 ، 331 .