مجد الدين ابن الأثير

457

المختار من مناقب الأخيار

وقال عبد اللّه بن أحمد الساجي : سمعت بشر بن الحارث ينشد : أقسم باللّه لرضخ النّوى * وشرب ماء القلب « 1 » المالحه أعزّ للإنسان من حرصه * ومن سؤال الأوجه الكالحه فاستعن باليأس تكن ذا غنى * مغتبطا بالصّفقة الرابحه اليأس عزّ والتّقى سؤدد * ورغبة النفس لها فاضحه من كانت الدنيا به برّة * فإنّها يوما له ذابحه « 2 » وقال أحمد بن الفتح : سمعت بشرا يقول : بعث إليّ عاصم بن عليّ بأبي زكريّا الصفّار . فقال : يا أبا نصر ! إنّ أبا الحسن يقرأ عليك السلام ويقول : قد اشتدّ شوقي إليك ، حتى لقد كدت آتيك عن غير إذن ، فعلمت كراهيتك لمجيء الرجال ، فإن رأيت أن تأذن لي أن آتيك لأسلّم عليك ، فلعلّ اللّه تعالى ينفعني برؤيتك . قال : فقلت له : قد فهمت رسالة الشيخ ، فأبلغه السلام وقل له : لا تأتني ، فإنّ في مجيئك إليّ شهرة عليّ وعليك « 3 » . وقال بشر : لقد شهرني ربّي في الدنيا فليته لا يفضحني في القيامة . ما أقبح بمثلي يظنّ بي ظنّ وأنا على خلافه ، إنما ينبغي أن أكون أكثر مما يظنّ بي أني أكره الموت ، وما يكره الموت إلا مريب ، ولولا أني مريب ، لأيّ شيء أكره الموت « 3 » ؟ وقال : غنيمة المؤمن غفلة الناس عنه ، وإخفاء مكانه عنهم « 3 » . وقال : اللهمّ استر واجعل تحت الستر ما تحبّ ، فربما سترت على ما يكره . ثم التفت إليّ « 4 » فقال : يا أخي ! بادر ، بادر ، فإنّ ساعات الليل

--> ( 1 ) القلب : جمع قليب : وهي البئر . تذكّر وتؤنث . اللسان ( قلب ) . ( 2 ) الحلية 8 / 345 ، 346 وتاريخ ابن عساكر 10 / 73 . ( 3 ) صفة الصفوة 2 / 326 . ( 4 ) ضمير المتكلم يعود على زريق الدلّال كما في تاريخ ابن عساكر وصفة الصفوة .