مجد الدين ابن الأثير
454
المختار من مناقب الأخيار
وقال أبو نعيم : جاءني بشر بن الحارث فقال : حدّثني بحديث النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم « إنّ اللّه تعالى عند لسان كلّ قائل » . فقلت : حدثنا عمر بن ذرّ عن أبيه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه عند لسان كلّ قائل ، فاتّقى اللّه امرؤ علم ما يقول » . فقال : حسبك . ورجع « 1 » . وقال : قلت لمن طلب الدنيا تهيّأ للذّلّ « 2 » . وقال أبو عبد اللّه القاضي عن أبيه قال : كان عندنا ببغداد رجل من التجّار صديقا لي ، وكان كثيرا ما أسمعه يقع في الصوفيّة . قال : فرأيته بعد ذلك يصحبهم ، وأنفق عليهم جميع ما يملك . قال : فقلت له : أليس كنت تبغضهم ؟ فقال : ليس الأمر على ما توهّمت . قلت له : كيف ؟ قال : صلّيت الجمعة يوما وخرجت فرأيت بشر بن الحارث الحافي يخرج من المسجد مسرعا فقلت في نفسي : انظر إلى هذا الرجل الموصوف بالزّهد ليس يستقرّ في المسجد ! قال : فتركت حاجتي وقلت : انظر إلى أين يذهب ؟ فتبعته فرأيته تقدّم إلى الخبّاز واشترى بدرهم خبز الماء . قال : قلت : انظر ، إنّ الرجل يشتري خبز الماء ! قال : فتقدّم إلى الشّوّاء فأعطاه درهما وأخذ الشّواء . قال : فزادني عليه غيظا . قال : وتقدّم إلى الحلاويّ واشترى فالوذجا « 3 » بدرهم ، فقلت في نفسي : واللّه لأنغّصنّ عليه حين يجلس ويأكل . قال : فخرج إلى الصحراء وأنا أقول : يريد الخضرة والماء . قال : فما زال يمشي إلى العصر وأنا خلفه . قال فدخل قرية ، وفي القرية مسجد ،
--> ( 1 ) الخبر في الحلية 8 / 352 ، والحديث أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 125 ، وابن أبي شيبة في مصنفه 13 / 233 ، 234 ، وأبو نعيم في الحلية 8 / 160 و 9 / 44 ، والخطيب في تاريخ بغداد 9 / 329 ، كلهم عن عمر بن ذر عن أبيه . ( 2 ) الحلية 8 / 352 . ( 3 ) الفالوذج : نوع من الحلوى الفارسية المركبة من طحين وسكر وليمون ؛ معربة عن الفارسية ( بالودك ) . المعجم الذهبي ص 423 .